تحويلات المقيمين … وضرائب الدخل
كثُر الحديث مؤخراً عن تحويلات العمالة الأجنبية (الوافدة) في المملكة العربية السعودية ، فالبعض يقدرها بعشر مليارات دولار ، والبعض الآخر يقدرها بأكثر من ذلك أو أقل ، وجميع هذه الأرقام غير دقيقة ، حيث أن هناك جزءاً كبيراً من هذه التحويلات يتم خارج القنوات المصرفية (الرسمية) والجميع يتباكى على قيمة هذه التحويلات على اعتبار أنها تسريب لايرادات خارج نطاق الاقتصاد الوطني ، وكأنها صدقة من الصدقات ، وقد نسى الجميع أو تناسوا أن مايحصل عليه هؤلاء المقيمين هو مقابل خدمات فعلية يؤدونها للاقتصاد الوطني ، وهؤلاء الأجانب لم يأتوا من تلقاء أنفسهم بل نحن الذين جلبناهم (استقدمناهم) من الخارج ليشاركوا في تنفيذ خطط التنمية الاقتصادية ، وإذا كنا اليوم نمتعض من زيادة تحويلاتهم للخارج ، ونأمل في أن يتم توجيه الجانب الأكبر منها للانفاق داخل الاقتصاد الوطني ، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو : ماذا أعددنا لهم من قنوات توظيف لاستثمار هذه التحويلات بالداخل ؟ .
هل يَّسرنا لهم الاستثمار في المجال العقاري كشراء الشقق أو العمارات دون عقبات ؟ هل فتحنا لهم المجال للاستثمار في الأسهم مثلما يحدث في العديد من الدول ؟ هل بسطنا لهم شروط الاستثمار في المشاريع الصغيرة والمتوسطة من حيث عدم تضخيم رأس المال اللازم كحد أدنى للاستثمار في هذه المشاريع حتى ولو كانت بشكل جماعي ؟ وماهي الضمانات التي تم توفيرها للمستثمر الصغير في حالة مغادرته للمملكة ؟ وهل يمكنه الحصول بيسر وسهولة على تأشيرات عودة لمتابعة استثماراته أو ممتلكاته .
هذه بعض الأسئلة التي تطرح نفسها في الوقت الحالي خاصة ونحن مقدمون على عصر منظمة التجارة العالمية ، وهو العصر الذي سيشهد إزالة جميع القيود على انتقال رؤوس الأموال ، وسيصبح العالم كله وحده واحدة .
إن معطيات هذه العصر تحتم علينا أن نعيد النظر في أفكارنا واستراتيجيتنا تجاه تحويلات العمالة الأجنبية والبحث عن فرص استثمارية لهذه التحويلات لتكون مقدمة لجذب رأس المال الأجنبي بصفة عامة .
نريد أن ننمي الولاء للمقيم في الدولة التي يقيم فيها ، نريد أن ننمي حبه لها ، ولا نشعره بأنه مصدر جباية من رسوم وضرائب – تزيد يوماً بعد يوم – وأصبحت تثقل كاهله .
إننا نعجب لدولة مثل هولندا ، أعطت حق الانتخاب في المجالس البلدية والترشيح لها لمن يحصل على إقامة نظامية ، بل أن الكثير من الدول ساوت بين المواطن والمقيم في العديد من الخدمات الاجتماعية والصحية كالعلاج والتأمين الصحي والتعليم وغيرها .
علينا أن نعيد النظر وبعمق وبتجرد في حساب مجمل الفوائد التي سوف تعود علينا من حسن التعامل مع المقيمين ، وعدم الاستمرار في عزف موضوع التحويلات ، وموضوع السعودة بصورة فجه ، وإلا سوف نصبح كمثل "لوبان" الذي كان مرشحاً لرئاسة جمهورية فرنسا ، والأحزاب المتطرفة في أوربا وموقفها من الأجانب .
أما بالنسبة لموضوع فرض ضريبة الدخل على الأجانب فأرى ألا تزيد نسبتها على 2.5% (وهي ذات النسبة المفروضة على المواطن السعودي) وإلا سنكون قد وضعنا فوارق تتعارض مع مباديء منظمة التجارة العالمية ، وليكن فيما كان يفعله سيدنا عمر بن الخطاب "رضي الله عنه" مع غير المسلمين القدوه حينما كان يأخذ الجزية منهم ليعيد جزءاً منها لفقرائهم ، فلماذا لانعيد استخدام جزءاً من هذه الضرائب لتعليم فقراء المقيمين وتطبيعهم .
إن فرض نسبة متواضعة كضريبة دخل ستشجع على عدم التهرب الضريبي حيث سيزيد من عدد الممولين (دافعي الضرائب) وسيكبر الوعاء الضريبي ، كذلك يجب علينا أن نفرق في فرض الضرائب وفقاً للحالة الاجتماعية للمقيم (أعزب ، متزوج ولايعول ، متزوج ويعول) بحيث نمنح اعفاءاً ضريبياً أكبر للمتزوج ويعول أسرة تقيم معه داخل المملكة ، نظراً لأن هذه الفئة ستوجه جزءاً كبيراً من دخلها للانفاق داخل المملكة .
وإذا كان الغرض من فرض هذه الضريبة هو زيادة ايرادات الدولة ، فأعتقد أن الجهة المثلى لدراسة ذلك ليس مجلس الشورى أو المجلس الاقتصادي الأعلى ، ولكن من خلال لجنة فنية متخصصة تقوم بدراسة جميع الجوانب المتعلقة بموضوع الضريبية سواء من حيث أنواعها آثارها الاقتصادية والاجتماعية ، النسبة المثلى لها ، كيفية تطبيقها … الخ مع الاستفادة من تجارب الدول الأخرى ، على أن تقدم هذه اللجنة توصياتها للمجلس الاقتصادي الأعلى الذي يقيم بدوره هذه الدراسات وينقحها ثم يرفعها إلى مجلس الشورى لاقرارها بعد أن تكون قد استنفذت الجانب الفني والاقتصادي لها .
والله الهادي إلى سواء السبيل .
| < السابق | التالي > |
|---|







