" المقالة الأولى "
تابعت باهتمام الخبر الذي نشرته الصحافة حول قرار محكمة استئناف القاهرة ، والقاضي بالتفريق بين الكاتب الدكتور / نصر حامد أبو زيد ، وزوجته لكونها مسلمة ، وباعتبار أن الدكتور قد قدم كتبا ونشر أبحاثا تعتبر خروجا على الاسلام مما يوجب اعتباره مرتدا عن الاسلام ، وبما أن الاسلام يمنع استمرار العلاقة الزوجية بين المسلمة والمرتد كان من الواجب الحكم بالتفريق بين الزوجين .
ولست من أولئك الذين يتهمون الناس ويحكمون عليهم بالردة أو الكفر من جراء مايصدر عنهم من آراء وكتابات ، بل إنني أفضل الحوار البناء الذي يكشف الحق ويزهق الباطل ، فعندما يكون الحوار علميا هادفا مترفعا عن العبارات السوقيه ، غير متوجه الى الأشخاص ، بل الى الأفكار والآراء معتمدا على الحجج والبراهين الدامغه ، يدرك الناس حينئذ زيف الباطل "فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ماينفع الناس فيمكث في الأرض."
لقد قرأت الكتب التي أصدرها الدكتور (أبو زيد) وأطلعت على أبحاثه التي نشرها من أمثال : الخطاب الديني - نقد الخطاب الديني - الاتجاه العقلي في التفسير - مفهوم النص "دراسة في علوم القرآن" ... وغيرها .
توقفت كثيرا عند كتابه الأخير "مفهوم النص" فما وجدت له تفسيرا ودافعا سوى : عداوة كامنة شديدة للقرآن الكريم ، ودعوة الى رفضه ونزع قدسيته وتحرير عقول الناس من أحكامه ... !!!
وإن مايحز بالنفس أن هذا الدكتور أستاذ في جامعة القاهرة ، والخوف كل الخوف على أولئك الشباب الذين يتخرجون من تحت يديه وقد رضعوا لبن التحلل من القيم الدينية .
وفي هذه المقالة ومايليها سأحاور هذا الكاتب من خلال بعض الأفكار التي تضمنها كتابه "مفهوم النص" وأسأل الله أن يعينني على بيان الحق إنه سميع مجيب .
في معرض حديثه عن الحضارة يقول : (الحضارة العربية الاسلامية هي حضارة النص بمعنى أنها حضارة أنبتت إسمها وقامت علومها وثقافتها على أساس لايمكن تجاهل مركز النص فيه).
ثم يعود سريعا ليقول في نفس الصفحة (ان الذي أنشأ الحضارة وأقام الثقافة جدل الانسان مع الواقع فان النص أيا كان لاينشىء حضارة ولايقيم علوما وثقافة) .
عجبت لهذا الرجل حينما يسمي الحضارة الاسلامية والعربية ومركز النص فيها .
ثم يعود وينكر قيام حضارة على نص فإنه بذلك ينكر الحضارة العربية والاسلامية . وهذا أمر قام وشهد له العالم من قبل وحكم الدنيا قرونا عديدة ، ولكن يبقى أن تحدد تحديدا دقيقا بعض الكلمات التي أصبحت متداولة بين الناس مع عدم وجود مفهوم واضح محدد لهذه الكلمات:
الحضارة : ماذا تعني الحضارة ؟ هي من الحاضرة ضد البادية .
فان كان التحضر هو التخلق بأخلاق الحضر فما الذي يمنع قيام حضارة على نصوص والحضارة والتمدن تقريبا معنى واحد ، فالتمدن هي أخلاق المدينة ، هل تعني الحضارة أو التمدن مرحلة معينة من التقدم المادي ؟ أو هل هي قصر على التقدم المادي أم أن القيم هي الحضارة ؟
أنا أفرق كثيرا بين التقدم الصناعي والتقدم التقني وبين الحضارة ، فهل يمكننا وصف التقدم الصناعي والتقدم التقني في جو لاتحكمه قيم بلفظ الحضارة .
فهل الثورة الصناعية بكل ماأنتجته من تقدم صناعي في ظل معاناة الانسان وظروف العمل السيئة ، وتشغيل الأطفال ، والأجور المنخفضة وساعات العمل التى تفوق 12 ساعة والتعامل مع الانسان كآلة ، هل تسميها حضارة أم ثورة صناعية ؟
ثم الثقافة : هذا مفهوم مطاط يسميه كل شخص بمفهوم مختلف فهل الثقافة علم التبحر في العلوم ؟ أم هي القدرة على الوصول للمعلومة ؟ أم هي سعة الاطلاع المختلف الجوانب ؟.
وهل الثقافة مقصورة على حوادث الزمن المعاصر وأحداثه ؟ أم على الزمن الماضي ؟ لذلك فان تعميمه بأن النص لاينشىء حضارة ولايقيم علوما أو ثقافة قول خاطىء فاني أرى أن مهمة النص الاسلامي هي ضبط علاقة الانسان بربه وضبط علاقة الانسان بأخيه الانسان وضبط علاقة الانسان ببقية المخلوقات على معايير من العدل والاحسان والحرية المنضبطة ، اذن فمهمة النص في الحضارة الاسلامية هي تهيئة الجو القابل للعيش الكريم المتساوي وهذه هي الظروف التي تحتاجها أي حضارة انسانية للانطلاق سواء في الصناعة أو الزراعة أو غيرهما ، ودليلي هو مساهمات المسلمين في العلوم والفنون في ذلــك الزمن ، واستيعابهم للحضارات السابقة والاضافة اليها ، وتوصيل هذه الحضارة للحضارة المعاصرة ففذلكة الكلام عند هؤلاء العلمانيين لايهام الناس أمر ذو خطورة .
وأقف أمام كلمة الجدل :
إن الجدل في معناه اللغوي : هو التخاصم والمخاصمة في الحوار .
واختياره لكلمة جدل تعريبا لكلمة Dialectic فان هذا المفهوم نشأ عن النظرية الداروينيه في النشوء والارتقاء ، بمعنى أن كل شىء يحوي نقيضه وان الصراع بين النقيضين يحوي مرحلة أخرى من الكمال .
مع أن النظرية نشأت في دراسة تطور الانسان وثبت فشلها وثبت تعارضها مع جميع النصوص السماوية ومع ذلك أثبت العلم التجريبي خطأ هذه النظرية ، واستعار الفلاسفة هذه الكلمة وطبقوها على العلوم الانسانية كالتاريخ في محاولة للخروج بنظرية لحتمية التاريخ واستعارها الشيوعيون لحتمية الصراع الطبقي ويحاول الفلاسفة الجدد استعارتها أيضا في النصوص كأنهم لم يعرفوا أن نظرية DIALECTIC ثبت فشلها في جميع الميادين بما فيها مجال علوم الأحياء فان لم تثبت في العلوم التجريبية فما بالك بغيرها .
ونسوا أمرا مهما قاله القدماء وهو أن الحاجة أم الاختراع فهذه أصدق من مقولتهم ، فالانسان لايخترع إلا إذا شعر بالحاجة . وهكذا نشأت العلوم .
حاجة تتضافر العقول على دراستها وحلها ولكن ليس جدلا مع الواقع أو DIALECTIC ويقول (واذا كانت الحضارة تذكر حول نص بعينه فلاشك أن "التأويل يمثل آلية هامةمن آليات الثقافة والحضارة وقد يكون التأويل مباشرا "استخراج دلالة النص ومعناه" وذلك في مجال العلوم الدينية ، وقد يكون التأويل غير مباشر وذلك في مجالات العلوم الأخرى .. وقد حظي التأويل ببعض الدراسات التي ركزت على العلوم الدينية وتجاهلت ماسواها ، إن البحث عن مفهوم للنص ليس مجرد رحلة فكرية في التراث ، ولكنه بحث عن "البعد" المفقود في هذا التراث وهو البعد الذي يمكن أن يساعدنا على الاقتراب من صياغة "الوعي العلمي" بهذا التراث) .
كعادة جميع الفلاسفة عند مناقشة النصوص يحاولون مرة أخرى أن يفتحوا باب التأويل فان سد عليهم باب التحريف في النصوص بما بذله الفقهاء والعلماء المسلمون من ضبط لعلوم القرآن والسنة يحاولون التحريف باسم التأويل غير المنضبط .
ويحاولون إقناع الناس بأن هناك بعدا مفقودا هو البعد العلمي في التأويل حتى نصل لصياغة الوعي العلمي للتراث .
ومرة أخرى نعود لمغالطات هؤلاء الفلاسفة ماهي علاقة الانسان بالنص . إن علاقتي بالنص هي الفهم . فطالما أنني آمنت بالله ورسوله "صلى الله عليه وسلم" ، علي أن أفهم النص ، وعلم الفهم علم اسلامي أصيل هو علم أصول الفقه وعلم الفقه .
ويتناقض هؤلاء الفلاسفة مع بعضهم فحينما يرى (أركون) أن الدراسات التي حكمت على اكتشاف الاعجاز العلمي في القرآن هي من قبيل التلفيــق ونسـب الظواهـر العمليـة للنصـوص.
نـجــد هذا يبحث في الوعي العلمي ومع ذلك اذا كان القصد هو اثبات أن القرآن تكلم عن حقائق علمية فهذا أمر أثبته الواقع وشهادة غير المسلمين بوضوح جلي لا لبس فيه ، أما اذا كان مايقصده من المنهج العلمي هو الوعي العلمي واستنتج من كلمة الوعي أنه يقصد الفهم فلا أجد فرقا كبيرا بين فهم ووعي ،
ووعي علمي بالنصوص يعني فهما علميا للنصوص والفهم العلمي يقوم على أسس هي :
أولا : اثبات صحة النص وقد قامت بهذه المهمة علوم النقل المختلفة التي حافظت على الجانب المهم وهو صحة النص .
ثانيا : قواعد الفهم ، وقام بهذا الدور علم أصول الفقه .
فان كان المناطقة يسمون علم المنطق بأنه القواعد الضابطة للفهم من الخطأ ، فنقول ان علم أصول الفقه هو القواعد الضابطة للفهم الصحيح وهو علم لايرقى الى مستواه أي علم من علوم الغرب في فهم النصوص .
فاخراج الفهم من حيز الوهم والهوى لابد له من قواعد يستوي فيها الناس جميعا والا لو ترك الحبل على غاربه لكل من أراد أن يفهم على هواه أصبح الأمر أهواء وبعد عن الوصف العلمي.
فالعلم منضبط بقواعد وأسس لايختلف عليها أهل العلم .
ثم يتحدث الكاتب عن معركة "التوجيه الأيديولوجي" حول البحث في التراث فيقول :
(ان ثمة قوى في الواقع الثقافي والاجتماعي لاتريد تحقيق "الوعي العلمي" بالتراث لأن من شأنه أن يسحب الأرض من تحت "توجيهاتهم الايديولوجية" لهذا التراث ، ولاشك أن المنتصر في معركة "التوجيه الايديولوجي" هذه هو الفكر الرجعي التثبيتي ، وذلك لأن استناده الى التراث استناد الى تاريخ طويل من سيطرة الفكر الرجعي على التراث ذاته) .
فهو يوضح حقيقة نواياه بالوعي العلمي بأنه لو تحقق سوف يسحب البساط من تحت الايديولوجية لهذا التراث .
عجيب أمر هذا الرجل ، اذا كان الوعي هو الفهم فما الذي يعيبه على قواعد الفهم الاسلامي فليسلك مسلكهم ويرينا ماذا يخرج معه .
ثم هذا الخلط في معنى الايديولوجية فهي تعني العقيدة فهل الشك الآن في العقيدة ؟ والتي تدور كلها حول أركان الايمان ، أم أنهم تصوروا (لتأخر الاجتهادات الفقهيه للظروف التى مرت بالعالم الاسلامي) أن الاسلام غير قادر على استيعاب حاجات الناس الأصلية ؟ فقليلا من الجهد في دراسة نظرية المقاصد الشرعية تزيل الالتباس من أذهان هؤلاء . فلا أدري كيف اختلط الأمر في أذهانهم بين الفقه والفتوى وبين العقيدة ، مع أن الفقه اختصاصه الفروع والاجتهاد وقد قال الفقهاء الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والمستفتي ، وقالوا الاختلاف اختلاف زمان ومكان بل في هذا الأمر تجن كبير على الفقه الاسلامي ، فلو كلفوا أنفسهم مراجعة الفتاوي الجماعية لمجامع الفقه في مواجهة أكثر الأمور تعقيدا مثل نقل الأعضاء واستخدام المياه النجسة بعد تكريرها ، بل الجهد المبذول في الاقتصاد الاسلامي ، لعلموا أن الدين الاسلامي خالد وقادر على مواكبة تطورات الحياة حتى قيام الساعة باذن الله . فنعيب فقهاءنا وديننا ، والعيب فينا وفي فكرنا وفي توجهنا وفي كسلنا .
وينبغي عليهم أن يقرؤوا بتدبر قوله سبحانه وتعالى "واذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه الى الرسول والى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان الا قليلا" .
" المقالة الثانية "
تراثنا : تراث رجعي
- تطبيق الشريعة وثب على الواقع
- نص مطلق وواقع مطلق
- تيار التجديد في مواجهة التراث والتقليد الأعمى .
في حديثه عن التراث يقول : (( إن التراث الذى حقطوه لنا هو التراث الرجعى ، ما عسانا نحن اليوم أن نفعل استجابة لتحدى اليوم بوصفنا دارسين وباحثين ؟
يذهب البعض مثلاً الى أن خلاصنا الحقيقى يتمثل فى العودة الى الإسلام بتطبيق أحكامه وتحكيمه فى حياتنا كلها.
وأصحاب هذا الاتجاه لا يكادون يقدمون لنا مفاهيم كلية أو تصورات للتغير الاقتصادى والاجتماعى والسياسى.))
أولاً هذا ادعاء باطل ، فقد تضافرت جهود علماء الاقتصاد المسلمين لاستنباط أحكام وبدائل تتلاءم مع احتياجات المجتمع المسلم ولا تتعارض مع الدين فى مجالات عديدة ، وهذه البنوك الإسلامية مازالت فى بدايتها ومع ذلك حققت نجاحات كبيرة ، وليس أدل على نجاحها من تعامل البنوك الغربية بنفس الأساليب فهذه البنوك البريطانية والأمريكية تقيم صناديق استثمار وفروعاً لأعمالها تعمل بالأساليب الإسلامية من مضاربة ومرابحة وغيرها.
أما المثال الثانى : فهى شركات التأمين الإسلامية التى أصبحت فى سنوات معدودة من أكبر الشركات فى مجال التأمين ، وأدت الغرض والحاجة وغطت الأضرار ، بل إنها وصلت الى حد إنشاء سوق رأسمال ثانوى إسلامى (الأسهم والسندات) بل ولك أن تعجب أن رؤوس الأموال الغربية بدأت تقتنع بشركات الإصدارات والصناديق الإسلامية ، وتضع أموالها فيها ، لو لم تكن تلك الشركات والصناديق الإسلامية ناجحة فما الذى دفع أولئك الغربيين لإيداع رؤوس أموالهم فيها ؟
المشكلة معكم أنكم لا تدرسون بحيادية تامة كل ما ينسب الى الإسلام ، ثم بعد ذلك تصدرون أحكاماً فى الهواء. العديد والعديد من الدراسات الإقتصادية الاسلامية أجريت ولم تكلفوا أنفسكم عناء الاطلاع عليها.
أما فى الجوانب الاجتماعية والسياسية فما أكثر الاجتهادات والكتب ، بل والتطبيقات الإسلامية التى وضعت ، فعلى سبيل المثال أي نظام يحتاجه المجتمع ولا يوجد فى النظام السعودى ما يخالف أصول الشريعة. فهذه الأنظمة موجودة وشاهد عيان على إمكانية تطبيق القواعد المنظمة لحياة البشر فى ضوء أحكام الإسلام.
ثم نجده يتكلم كلاماً غريباً عن تطبيق أحكام الشريعة إذ يقول: ((إن المطالبة بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية وثب على الواقع وتجاهل له ، خاصة إذا تم اختزاله فى مسألة تطبيق أحكام الحدود كما هو الأمر عند كثير من الجماعات التى تطلق على نفسها اسم إسلامى . إن حصر غاية الدين وأهدافه فى رجم الزانى وقطع يد السارق وجلد شارب الخمر .. أمر يتجاهل مقاصد الشريعة وأهداف الوحى فى تشريع هذه الحدود.))
إن ما يخيفكم فى الشريعة الإسلامية هو الحدود وقسوتها فكأنه اعتراف منكم بتفشي تلك الموبقات ، بل والرغبة فى إبقاء تلك المظاهر التى حاربتها الحدود من زنا وسرقة وشرب خمر .. وغيرها ، ولم تتبينوا أن الإسلام قدر ظروفها ، وأن هنالك فرق بين الحكم وانطباق شروطه.
لقد جاءت أحكام الشريعة لتصلح المجتمع وتحسٌن الواقع ، بل كانت الغاية السامية من وضع القواعد المنضبطة فى التشريع إنشاء الفرد الصالح انطلاقاً من الواقع المعاش.
وكانت مشروعية الحدود وتطبيقها رهناً بالواقع ، وخير مثال على هذا إيقاف عمر إقامة حد السرقة عام الرمادة. وقد اجتهد العلماء فى تطبيـق تلك الحدود فوضعوا ضوابط وشروطاً لابد أن تنطبق على الجانى حتى يقام عليه الحد ، فحد السرقة لا يقام على السارق إلا بتوافر شروط :
أولها : أن يكون المال المسروق بالغاً للنصاب الشرعي ، فلا يقام الحد على سرقة المال القليل ، لقوله صلى الله عليه وسلم "تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا" .
ثانيهما : أن يكون المال المسروق محفوظاً فى حرز المثل، فلا يقام الحد على من وجد المال ملقى أمامه دون حصانة.
ثالثهما : أن لا يكون للسارق شبهة تملك فى المال المسروق، كشراكة وإرث ونحوهما.
رابعهما : أن لا يكون السارق مضطراً للمال الذى سرقه ، كشراء طعام أو دواء.
وبعد كل هذا هل يصح لنا أن نتجنٌى على مشروعية الحدود ونقول بأنها تتجاهل مقاصد الشريعة؟
أو هى وثب على الواقع وتجاهل له ؟ وعلاوة على ذلك فالإسلام لم يجٌوز إقامة الحد على مجرد الشك والظن والإتهام بل لابد من الاعتراف وإقامة البينة، ولذلك فقد اشترط فى إقامة حد الزنا شهادة أربعة شهود.
ثم نجده يورد عبارة النص والواقع (المطلق) حيث يقول : ((إذا كان هذا الحل السلفى يتنكر لمقاصد الوحى وأهداف الشريعة حين يفصل بين النص والواقع، وذلك بالمطالبة بتطبيق (نص مطلق) على (واقع مطلق)، فإن بلورة مفهوم للنص قد يزيل بعض جوانب هذا التعتيم، وقد يكشف القناع عن حقيقة الوجه الرجعى لهذا الفكر وامتداداته فى التراث، وحقيقة عدم انفصاله عن تيار ثقافة الطبقة المسيطرة، تيار الثقافة الرسمية.))
عجيب أمرك وأنت أستاذ للغة، أين النص المطلق ؟ وأين الواقع المطلق ؟ إذا كان النص فى القرآن مطلقاً فقد خصص فى الأحاديث والاستنباط، فمنذ أن شرع حد الزنا لم يقم الحد إلا بالاعتراف حتى يومنا هذا، بل وكان من فقه عمر أن راعى روح النص عند إيقاف حد السرقة عام الرمادة. إن تجاوزك للواقع وقفزك على مقاصد الشريعة جلي واضح ، ولو درست نظرية المقاصد فى الإسلام، والقواعد الكلية الضابطة للأحكام الجزئية لعلمت مدى السعة التى تتسم بها الأحكام الشرعية، فهى مرنة وقابلة لاستيعاب مستجدات كل عصر، ألا يكفى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ادرؤوا الحدود بالشبهات) ، وألا يكفى تلقين المصطفى صلى الله عليه وسلم للزانى حجته حتى يستر على نفسه ؟ فالمتفحص المدقق للحدود الإسلامية يجد أنها منصبة على الإشهار والاستهتار بالمجتمع وحقوقه العامة ، أبعد هذا يسر وتسهيل ؟ .
وعن تناول التراث فى مواجهة تيار التجديد يقول : ((تيار التجديد: هو تيار يرى أننا لا يمكن أن نقلد القدماء، والتراث الذى ورثناه عنهم هو تراث مازال يساهم فى تشكيل وعينا ويؤثر فى سلوكنا بوعى أو بدون وعى . وإذا كنا لا نستطيع أن نتجاهل هذا التراث ونسقطه من حسابنا ، فإننا بنفس القدر لا نستطيع أن نتقبله كما هو ، بل علينا إعادة صياغته ، فنطرح عنه ما هو غير ملائم لعصرنا.))
إن من دلالة كلمة (التجديد) أنه ليس ابتداعاً بل هو تجديد لأصل القديم وجعله صالحاً للاستخدام فقد قال المصطفى صلى الله عليه وسلم " إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها" وهذا يعنى أن الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم أن المستجدات تحتاج الى استنباط وإنزال العلل على المستجدات، والفقه الإسلامى فى مجال الاستنباط والاستحسان والاستصحاب والمصالح المرسلة ودرء المفاسد لم يأل جهداً فى إيجاد الآيات التى تجعل التجديد أمراً ميسوراً . وأنتم تعكسون الآية دائماً فبدل أن تحددوا الضروريات والحاجيات تحديداً عقلياً واضحاً منضبطاً يمثل حالة الجماعة وليس هوية الأشخاص حتى تستنبط لها الأحكام ، نجدكم تريدون أن نترك الأمر برمته ونغير جلدتنا بدعوى الإصلاح والحداثة .
لماذا لا تستنكرون على العلوم أن تبنى القواعد بعضها على بعض، وحينما نأتي الى التشريع يصعب عليكم ذلك ؟
فما هو الضير أن يبنى حكم جزئى على قاعدة كلية فننتقل من أمر مسلٌم ديني الى أمر مقاس عليه ، ومع ذلك لابد أن نعلم أن الاجتهاد يجب أن يبقى مقصوراً فى مجال المعاملات، أما العبادات فتوقيفية ولا مجال لنقاشها، وقد يسر الله أمرها فى الحالات التى احتاجت الى تيسير مثل السفر والمرض وغيرهما، فهذا الباب لن نفتحه وليس لنا أن نفتحه، فأركان الإسلام وأركان الإيمان لا نسمح لأحد أن يعبث بها.
ويتابع هجومه على التراث ويصفه بالزيف ويدعو الى التخلي عن التغني به فيقول :
(( إن التجديد على أساس "ايديولوجى" دون استناد الى وعى علمى بالتراث لا يقل فى خطورته عن "التقليد". والعلم نقيض التغنى بالأمجاد الزائفة والفخر بإنجازات لم نساهم فى صنعها . إن إنتاج وعى علمى بالتراث يستلزم من الباحث كثيراً من الجرأة والشجاعة فى طرح الأسئلة ، ويستلزم منه جرأة أشد وشجاعة أعظم فى البحث عن الإجابات الدقيقة لهذه الأسئلة.))
هذا كلام العلمانيين وقد ردده قبلك أركون وغيره، فكأنكم متفقون على ضرب الدين ولكن بعبارات مختلفة، إن النصوص الدينية "القرآن والسنة" هى لله سبحانه وتعالى وهو الوارث الحي فوحيه لايورث فتعاملكم مع هذه النصوص لابد أن يقف عند حدود. إن البحث فى النصوص الأصلية والعبث بها بطرق البحث الغربى والماورائيات وغيرها من الأساليب لايجوز. إنما المسموح به هو فهم هذه النصوص وفقاً للقواعد المعترف بها فى أصول الفهم "أصول الفقه" وهو علم عربى أصيل . نحن أمة تلقت الوحى ومهمتنا فهم هذا النص الذى نزل به الوحى بقواعد يشترك فيها الجميع لأن المخاطب بالتكليف هو العقل وليس الخيال.
ويضع الكاتب هدفين لدراسة مفهوم النص فيقول : (( أولهما إعادة ربط الدراسات القرآنية بمجال الدراسات الأدبية والنقدية بعد أن انفصلت عنها فى الوعى الحديث والمعاصر نتيجة لعوامل كثيرة أدت الى الفصل بين محتوى التراث وبين مناهج الدرس العلمى . وقــد درس اللغويون والنحويون النص القرآنى وظلوا رغم ذلك لغويين ونحاة.)) .
فماذا تريد منهم أن يكونوا ؟ إن أولئك اللغويين والنحويين الذين تحدثت عنهم كانوا مفسرين الى جانب كونهم نحاة ولغويين وخذ مثالاً منهم الأخفش والزمخشري وغيرهما ، فقد درسوا النص القرآنى من كل جوانبه الفقهية والإبداعية والإعجازية، فما هو اعتراضك عليهم؟ هل تعيب عليهم أنهم لم يستنبطوا أحكاماً ؟ فاعلم أن الدراسات الأدبية لا تستنبط أحكاماً. ومن قال لك لا تدرس البلاغة فى القرآن ؟ لكن الإتيان بأساليب غير عربية ودراسة القرآن على أساسها مرفوض. فمادام التعبد لا يجوز إلا بالعربية فلا تجوز الدراسة إلا بالأسلوب العربى.
" المقالة الثالثة "
الدعوة إلى الدين نوع من الإرهاب الفكري .. !!
هل أغلق باب الاجتهاد ؟ !
لا وجود للنص في اللوح المحفوظ ، بل هو منتج ثقافي واقعي .
الديالكتيك الصاعد والديالتيك الهابط .
إن مصداقية النص تنبع من تقبل الثقافة له .. !!
ثم يطالعنا بوصف عجيب للدعاة إذ يجعلهم إرهابيين، وفى نفس الوقت يكشف لنا القناع عن نفسه بوصفه منافحاً عن العلمانيين. يقول : (( هل يمكن للباحث أن يتجاهل أن الدعوة للدين تتحول على يد هذه الجماعات الإسلامية أحياناً الى نوع من الإرهاب الفكرى ؟
وحين يوضع الدين مقابلاً للعلم فى مناقشات ومؤلفات عن "الاسلام والعلمانية" حيث ينبرى رجال الدين لمهاجمة العلمانية وينبرى العلمانيون للدفاع عنها، هل يستطيع الباحث أن يتجاهل الإعلام الرسمى الديني وما يمارسه من تخريب فى وعي الناس بالأحاديث والفتاوى التى تُغيب الناس عن قضاياهم الحقيقية.))
فى الواقع إن العلمانيين (أمثالك) والإرهابيين كلاهما خارج عن منهج الإسلام، فهم يتشددون ويتشددون حتى يشبهوا الخوارج الذين وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمارقين، وأنتم أيضاً خارجون بدعاويكم الغربية التى قد تصل الى الإلحاد فى بعض الأحيان، بل وأرى أن العلمانية "الدنيوية" التى نشأت فى ظل الهرطقة الكنسية لإعادة الاحترام للعلم أخذتموها لمجتمع لا يعانى هذا التصادم بين الدين والعلم، فكنتم التطرف الذى كان سبباً فى نشوء التعصب الدينى. فعامة المسلمين حماسهم يطغى على علمهم وحلمهم، فحينما يصدمون بأمثال دراساتكم ويعجزون عن الرد "وانشغال العلماء المحققين عنكم" النتيجة هى أن تمتد أيدى هؤلاء كمن يضيق صدره ولا ينطلق لسانه.
أضف إلى ذلك أن الظروف القاسية التى يعيشها المسلم اليوم من فقر وسوء توزيع تجعله يفقد الأمل فى الأرض فيلجأ إلى السماء بحثاً عن العدل والوصول إلى حقه المهضوم. كان ينبغى عليكم محاربة أسس التطرف من فقر وظلم وجهل فهذا خير من السفسطة.
وترددون عبارات عجيبة عن غلق باب الاجتهاد ، فمن الذى أغلق باب الاجتهاد ؟ إن الذى أغلقه عجز الناس وقصور علمهم ، فلو استبدلنا اليوم الاجتهاد الفردى بالاجتهاد الجماعى حتى يستكمل كل مجتهد نواقصه بأخيه فنحن فى عصر فقدنا فيه العلماء الموسوعيين.
"ولو ردوه الى الرسول والى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يسنبطونه ......"
ويتحدث عن غلق باب الاجتهاد محددا السبب الذي أدى الى ذلك بقوله :
- (اختلاف الرؤى والتوجهات في الواقع الثقافي المعاصر ، وتعدد الاجتهادات والتأويلات في التراث ، مثل هذه الاختلافات قد أدت في الماضي إلى نوع من "اللاأدرية" انتهت إلى تحريم الفكر ذاته ، وإلى غلق باب الاجتهاد ، فان غايتنا من طرح السؤال الوصول إلى فهم موضوعي لماهية الاسلام) .
من أغلق باب الاجتهاد ؟ وهل فتحه الله ويغلقه البشر ؟
قل عجزنا وتكاسلنا وعدم انكبابنا على العلم الصحيح وعجز أهل الدنيا عن عرض مشاكلهم مما يجعل الفقيه عاجزا عن معرفة الضروري من التحسينيات كما كان الناس في السابق يعرضون مشاكلهم ،
فالفتوى على قدر النص ، إذ لانطالب الفقيه بالفتوى على مافي أذهاننا وعقولنا ، وإنما على قدر نص سؤالنا ، فإذا أردتم فحللوا المشاكل تحليلا جيدا وأرسلوها إلى مجمع الفقه ، بدلا من التنظير والطعن والغمز واللمز ، فالعجز التكنولوجي لادخل للفقيه فيه .
وقد كانت دعوة العلمانية إلى فصل الدين عن السياسة من قبيل التنظير الذي أثبت الواقع فشله فهاهم في تجاربهم لم يسيروا في ركب الحضارة (تركيا) .
ويفصل بين العروبة والاسلام في انشاء الحضارة فيقول :
- (والقول بعروبة الاسلام لايتجاهل اسهامات غير العرب ، غير أن مفهوم "غير العرب" هنا مفهوم غير دقيق الا اذا كان مفهوم العروبة يقوم على "العرق" و "الجنس" ولايقوم على أساس "الثقافة" .
ان الذين يفصلون بين العروبة والاسلام يفهمون العروبة فهما عرقيا جنسيا متناسين أن النقاء الجنسي والعرقي أسطورة ووهم) .
الاسلام رفض العنصرية واعتبر أن كل من تكلم العربية عربي ، ودعانا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام إلى السمع والطاعة (ولو تأمر عليكم عبد حبشي) . فقد اندمجت في الاسلام أمم غير عربية وكان منهم علماء مشهورين لهم باع طويل في شتى مجالات العلوم وخير مثال على هؤلاء سيبويه إمام النحو .
لقد كانت النزعة الشعوبية رد فعل للعنصرية التي نشأت في أواخر العصر العباسي .
وظهرت العنصرية العربية في القرن التاسع عشر بظهور العنصرية الطورانية .
- أليس مما له دلالته في هذا الصدد أن تكون القدس تحت سيطرة الصهاينة ، ويبارك علماؤنا الصلح مع العدو مباركة علنية أو مباركة صامتة ؟!
هؤلاء العلماء الأفذاذ باركوا الصلح مع العدو باسم "الاسلام" وكانوا من قبل يدعوننا للجهاد والتضحية باسم الاسلام ، والعدو هو العدو لم يتغير .
وهو يؤكد على علاقة النص بالواقع فيقول :
- (والحقيقة أن الفصل بين مايطرحه النص عن نفسه وبين ماصاغته الثقافة عنه فصل تعسفي ، لكنه فصل لاغناء عنه للتوضيح والبيان .
ان النص في حقيقته وجوهره منتج ثقافي . والمقصود بذلك أنه تشكل في الواقع والثقافة خلال فترة تزيد على العشرين عاما).
هذا خطأ ويدل على أنك معتزلي ، وكلمة "تشكل" تعني أن القرآن مخلوق .
والقرآن كلام الله القديم موحى الى الرسول ، ومن سر إعجاز الوحي أنه طابق الأسباب في الحوادث ، واحتفظ بخلوده وقدرته على ضبط المستجدات بعلل الأحكام ، فتمتد العلة حتى تشمل المستجدات ، وهنا سر اتساع نصوص الوحي .
ويرفض أزلية وجود القرآن في اللوح المحفوظ إذ يقول :
- (إن الإيمان بوجود ميتافيزيقي سابق للنص يعود لكي يطمس هذه الحقيقة البديهية ويعكر من ثم امكانية الفهم العلمي لظاهرة النص .
ان الايمان بالمصدر الإلهي للنص ، أمر لايتعارض مع تحليل النص من خلال فهم الثقافة التي ينتمي اليها .
إن الله حين أوحى لرسوله صلى الله عليه وسلم بالقرآن اختار النظام اللغوي الخاص بالمستقبل الأول .
وعلى ذلك لايمكن أن نتحدث عن نص مفارق للثقافة والواقع ، ان ألوهية مصدر النص لاتنفي واقعية محتواه ولاتنفي من ثم انتماءه إلى ثقافة البشر . إن القول بأن النص منتج ثقافي يكون في هذه الحال قضية بديهية لاتحتاج لإثبات).
من جديد هذه دعوة أخرى إلى نزع قدسية النص ، واعتباره مخلوقا بإخضاعه للثقافة والواقع .
هناك فرق بين ترك الفهم للعقل وبين ترك الفهم للهوى .
ونحن نفخر بأن المسلمين أوجدوا علم الفهم - أصول الفقه - لوضع قواعد ضابطة للفهم .
ويعود ليؤكد العلاقة الجدلية بين النص والثقافة مجددا رفضه لوجود النص أزليا في اللوح المحفوظ:
- (إن العلاقة بين النص والثقافة علاقة جدلية معقدة تتجاوز كل الأطروحات الأيديولوجية في ثقافتنا المعاصرة عن النص .
إن هذه النصوص لم تلق كاملة ونهائية في لحظة واحدة ، بل هذه نصوص تشكلت خلال فترة زادت على العشرين عاما ، وحين نقول (تشكلت) فاننا نقصد وجودها المتعين في الواقع والثقافة بقطع النظر عن أي وجود سابق لها في العلم الإلهي أو في اللوح المحفوظ) .
هذا يعني أن القرآن لم يخاطبنا وليس له علاقة بثقافة الانسان .
ومشكلتكم الفظيعة أنكم تريدون الخلط بين استقراء الواقع وبين وجود نصوص جاهزة تفصيلية لكل المستجدات ، ولو كان القرآن كذلك لمللتم كما مل غيركم .
فمن رحمة الله أنه جعل القواعد عامة تستوعب المستجدات .
ويتحدث عن منهج البحث عن دور الواقع والثقافة في تشكيل النصوص حيث تعطى الأولوية للحديث عن الله قائل النص ثم عن النبي صلى الله عليه وسلم المستقبل الأول للنص ، ثم الحديث عن الواقع - أسباب النزول - المكي والمدني - الناسخ والمنسوخ . ليقول بعد ذلك:
- (ان مثل هذا المنهج بمثابة ديالكتيك هابط في حين ان منهج هذه الدراسة بمثابة ديالكتيك صاعد ، وعلى حين يبدأ المنهج الأول من المطلق والمثالي في حركة هابطة الى الحسي والمتعين ، فان المنهج الثاني يبدأ من الحسي والعيني صعودا ، يبدأ من الحقائق والبديهيات ليصل الى المجهول ويكشف عما هو خفي) .
هل المقصد هو تبرير الواقع أم إظهار الحق ، فالديالكتيك الصاعد هو الذي يؤدي إلى تبرير الواقع . ونحن نعيب عليك استخدام الديالكتيك الهابط في الجدل ، والله واحد لايتجادل ولايتناقض ، وماأشبه هذا القول بمسألة البدء القائلة بتغير رأي الله تعالى .
وأما الديالكتيك الصاعد فنحن لانعرف ماذا تقصد ؟ تناقضاتنا مع الواقع أم مع بعضنا ؟
ولكن قول الفقهاء أجمل وأحكم من قولك لأنهم حددوها بضروريات وحاجيات وتحسينات منضبطة ولو لم يكن هذا الأمر مقدرا في التشريع لما قال الفقهاء : إن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان .
وإذا سلمنا بصحة الديالكتيك ، فقد سقط الديالكتيك عندما طبق على التاريخ وحينما طبق على الاقتصاد في النظرية الاشتراكية الشيوعية ، والغربيون نفسهم يناقضون هذه المسألة ولايسلمون بصحتها .
ويعبر عن اختلاط مفهومي الوعظ والعلم فيقول :
- (وبذلك يتحول الخطاب العلمي من خلال هذا المنهج عن مهمته الحقيقية ليؤدي مهمة أخرى هي مهمة الوعظ والإرشاد ، ولعل هذا يفسر لنا اختلاط مفهوم "العالم" بمفهوم "الواعظ" في ثقافتنا الدينية) .
ومن قال : إن الوعظ والارشاد في مفهومه الأساسي وهو الدعوة ، ليس الغرض الأساسي للدين ؟! لكل مجاله العالم والواعظ .
وهاهو يتوقع أن يجابه منهجه بالاعتراض إذ يقول :
- (والاعتراض الذي يمكن أن يثار هنا : كيف يمكن تطبيق منهج تحليل النصوص على نـص إلهي ؟ والاتهام حــول تطبيق مفاهيم البشر ومناهجهم على نـص غير بشري من حيث أصلـه ومصـدره)
إنك تستفز بكلامك شعور المسلم ، إن النص هو مجال للفهم وليست مهمتنا النقد ، إن غرضنا هو فهم نصوص الله ومراده وليس تغييرها ، إلا إذا أردت الخروج عن الإسلام فهذا أمر آخر .
ويتحدث عن المصدر الذي تنبع منه مصداقية النص فيقول :
- (إن مصداقية النص في منهج تحليل النصوص لاتنبع من دليل خارجي ، بل تنبع من تقبل الثقافة للنص واحتفائها به .
لقد اختلف القدماء ، هل يحتاج النص إلى دليل خارجي لإثبات مصداقيته ، أم أنه يتضمن في داخله هذا الدليل ؟ وهل هذا المعيار الخارجي هو العقل أم المعجزة الباهرة التي تقع على يد الرسول ؟
وفي منهج تحليل النصوص تنبع مصداقية النص من دوره في الثقافة ، فما ترفضه الثقافة لايقع في دائرة النصوص) .
إن النص لايحتاج الى دليل خارجي لاثبات المصداقية ، وانما الدليل الخارجي هو لتوضيح العلة والحكمة ، فالأمر لاعلاقة له بالمصداقية بل هو الضوء الذي يراه العقل في العلة والحكمة .
ولو كان ماذهبت إليه صحيحا لكان القرآن للتنفيذ وليس للتشريع .
أنت تريد أن تنطلق من الواقع فقط وتحشر الدين في العبادات فقط ، وهذه سوف يشك فيها لأن فهمك يختلف ، فليست مهمتك تصحيح كلام الله .
" المقالة الرابعة "
" الوحي "
- عملية لاتتحقق إلا بشفرة خاصة .
- الكهانة والشعر هما الأساس المعرفي للعرب لتقبل فكرة الوحي .
- في القرآن تداخل دلالي في استخدام الضمائر ... !!!
- عملية الوحي أشبه ماتكون بعملية اتصال الكاهن بعالم الجن .. !!
- الأنبياء صنف معظور على الانسلاخ من البشرية إلى الملائكة ..
- هل كان الوحي القرآني باللفظ أم بالمعنى ؟ !
- إن تصور وجود خطي سابق للنص في اللوح المحفوظ يؤدي الى :
إهدار جدلية العلاقة بين النص والواقع الثقافي .. !!!
ويتحدث عن ضرورة وجود شفرة خاصة بين الموحي والمتلقي :
- (الوحي عملية اتصال لا تـتحقق الا من خلال شفرة خاصة مشتركة بين المرسل والمستقبل .
ونجد مثل هذا الاستخدام في القرآن في قصة زكريا ، كان على زكريا أن يتصل بقومه ، أن يعلمهم بطلب التسبيح دون أن يستخدم النظام اللغوي ، فكان الايحاء بنظام آخر من الرموز كما ورد في القرآن) .
إن إشارة زكريا هي وحي من مخلوق إلى مخلوق ، وهنا تصبح الإشارة وحيا بموجب إشارات متعارف عليها (بالأصابع - بوضع الأصبع على الفم للسكوت) .
لكن الوحي من المستوى الإلهي الى الانسان يختلف لأنه لايوجد إشارات متعارف عليها ، وهذا يقتضي التجسيم كما غرق المعتزلة في مسألة تعليم الأسماء لآدم وأنها تقتضي الاشارة
فيجب أن نفصل بين الوحي "بين الله والانسان" ، وبين الوحي "بين انسان وانسان" .
ويؤكد على اختلاف المرتبة الوجودية بين طرفي الوحي فيقول :
- (في الأمثلة السابقة لاحظنا أن عملية الاتصال كانت تتضمن مرسلا ومستقبلا ينتميان الى مرتبة وجودية واحدة (زكريا وقومه - مريم وقومها) والحديث عن الوحي في القرآن تكون فيه عملية الاتصال بين طرفين لاينتميان الى نفس المرتبة الوجودية) .
كان عليك أن تستخدم عبارة : (مرتبة معرفية واحدة) بدلا من (مرتبة وجودية واحدة) لأن الاشارة لو كانت من مريم لغير بني قومها لأخذت شكلا مختلفا ، لأن اشارات الشعوب تختلف بين بعضها.
ويحاول ربط معرفة العرب بالشعر والكهانة بتصورهم لعملية الوحي فيقول :
- (أدرك العرب قبل الاسلام ظاهرتي الشعر والكهانة بوصفهما ظاهرتين لهما أصولهما في عالم آخر هو عالم الجن ، وتصور العرب إمكانية الاتصال بين البشر والجن) .
اذا كنت تعني بعملية الاتصال بين الانسان وعالم الجن في ظاهرة الشعر ماأطلق عليه شياطين الشعر فهذه اسطورة لاترقى إلى مرتبة الحقيقة والواقع ، فالشعر عرف في الجاهلية والاسلام وفي العصور التي تلته وبيننا شعراء عظماء لم نسمع منهم أن لكل منهم جني (أو شيطان) يوحي اليه .
ولو افترضنا جدلا أن للشاعر شيطانا فقد يكون من جنس الوسوسة التي لايعلم الانسان حقيقتها.
وهاهو يؤكد ماقلناه من ربط بين معرفة العقل العربي للجن وظاهرة الوحي :
- (لقد كان ارتباط ظاهرتي "الشعر والكهانة" بالجن في العقل العربي ، هو الأساس الثقافي لظاهرة الوحي الديني ذاتها ، فكيف يمكن للعربي أن يتقبل فكرة نزول ملك من السماء على بشر مثله مالم يكن لهذا التصور جذور في تكوينه العقلي والفكري) .
ولماذا تؤكد على وجــود معرفة للجن في العقل العربي ؟ هل لغـة العرب لم تكن تحوي اسم الملائكــة ؟
إن ظاهرة النبوة أقدم من ظاهرة الاتصال بالجن ، فهي من زمن آدم ، وماانقطع زمان إلا وفيه نبي والعرب أبناء النبيين ابراهيم واسماعيل ، فلادليل مادي يثبت أن موضوع الكهانة كان في ذهن العرب .
ومن ناحية أخرى : لو كان العرب يصدقون الكهانة فلماذا استصعبوا موضوع الاسلام ؟ هل كان علمهم أنه وحي من الله ثم يعترضون ؟! فلماذا لم يعترضوا على أداء الكهان ؟
ان هذا المدخل قد يؤدي الى مزلق خطير وهو القول إن الوحي من الجن .
ومن دلائل معرفة العرب بالنبوة والوحي والملائكة : مطالبتهم للرسول صلى الله عليه وسلم تعجيزا أن ينزل الله عليهم ملكا رسولا ، واتخاذهم الملائكة آلهة من دون الله .
وتصورهم للملائكة إناثا واعتراض القرآن عليهم في ذلك .
ولو كانت مسألة الكهانة والجن هي الأساس المعرفي للنبوة فكيف تنقلب النبوة ضد الأساس المعرفي وتدمره ؟ .
ويتحدث الكاتب عن الآيات الأولى من سورة الجن فيقول :
- (نلاحظ هنا ذلك التداخل الدلالي في استخدام الضمائر ، فالسورة تبدأ بمخاطبة الرسول ، ومايلي ذلك حكاية لما قاله الجن بعد أن استمعوا الى القرآن ، ولكننا نلاحظ أن الآية الرابعة في السورة تتسق مع ماسبقها من آيات السورة في دلالة الضمائر حيث يشير ضمير المتكلمين فيها كلها الى الجن ، وذلك على عكس الآيات (5،6،7) حيث نلاحظ أن ضمير المتكلمين من الضروري أن يكون دالا على متكلم آخر غير الجن الا اذا اعتبرنا أن الآية تعتمد على التجريد)
ألم تسمع بظاهرة الالتفات في البلاغة العربية ؟ وماأكثرها في اسلوب القرآن الكريم وهي ظاهرة تعتمد على تغيير الضمير في الجملة الواحدة ، من ذلك قوله تعالى : (حتى اذا كنتم في الفلك وجرين بهم) فليس الأمر تداخلا للدلالات كما زعمت بل إنها بلاغة القرآن وتلك صورة من صور إعجازه ولو أنك درست الأسلوب القصصي في القرآن لما اعترضت هذا الاعتراض .
ومن ميزة اللغة العربية هذا التداخل في الحكاية بين الماضي والحاضر وفي تغيير الضمائر وقد اعترف بذلك كبار المستشرقين ، وقراءة هذه السورة تجعلنا نميز بين ماهو محكي على لسانهم وبين ماهو من كلام الله ، وبين أجوبة الرسول لهم ، ولاتنس أن الجن مشمولون بالرسالة .
ويحاول التمييز بين صورتين للجن من خلال ورودها في سورتين في القرآن :
- (وفي سورة (الناس) نلاحظ تحول أحاديث الجن الى "وسوسة" يستعاذ بالله منها ، فاذا عرفنا أن سورة (الناس) سابقة في ترتيب النزول على سورة (الجن) أمكننا أن نميز بين صورة الجن الخناس الموسوس وصورة الجن الذي يشبه البشر في انقسامه الى مؤمنين وكافرين) .
ان صورة الوسوسة نفسها نجدها في سورة الجن أيضا وفي الآية : (وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا) . أليس هذا هو نفس المفهوم ؟ ليس انتقالا ولا تدرجا في المعنى ، بل حكاية على ألسن الجن ، كانوا يقولون على الله شططا .
- ويستشهد الكاتب بأقوال ابن خلدون حول الأكوان والمخلوقات والاتصال بينهما .
ونقول له : نحن لانحتج بابن خلدون ولابأمثاله على القرآن ، فابن خلدون عالم تاريخ وعالم اجتماع ، ولاعصمة له من الخطأ .
- ويميز بين اتصال الكاهن بعالم الجن واتصال النبي بالملأ الأعلى بقوله :
(الاتصال ببعض العوالم يستوي فيه النبي والكاهن ، والفارق بين اتصال النبي بالملأ الأعلى واتصال الكاهن ، أن اتصال النبي قائم على نوع من الفطرة والخلقة أساسها الاصطفاء الالهي ، بينما يحتاج الكاهن الى آلات وأدوات مساعدة تعينه على التخلص من عوائق العالم المادي) .
نقطة الخطأ عندك أنك اعتبرت أن الجن من الملأ الأعلى وليسو كذلك ، انهم خلق مساو للإنس بل أقل درجة منه ، والدليل على ذلك تصرف الإنـس في الجن ، فهذا سيدنا سليمان عليه السلام كان الجن مسخرون لخدمته ومكثوا على ذلك حتى بعد موته ، ومنه تسخير بعض الأولياء والصالحين للجن في قضاء حوائجهم .
وقد أشار الله تعالى إلى خيرية آدم على إبليس واصطفائه عليه ، فالمسألة في المفاضلة ليست في كثافة الخلق (من طين - من نار) وإنما باصطفاء الخالق .
- وينقل نصا عن ابن خلدون : (إن الأنبياء صنف مفطور على الانسلاخ من البشرية جملة إلى الملائكة من الأفق الأعلى ليصير في لمحة من اللمحات ملكا بالفعل) .
هذا كلام فلسفة ، فالرسول يقول : إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي ، هكذا أمره الله أن يقول . فلايفترق الرسول عن البشر إلا فيما هيأه الله له لتلقي الوحي ، أما حقيقة التلقي والتهيؤ فالله أعلم بها ولايستطيع الإنسان إثباتها .
ولماذا هذا الإصرار على ربط ارتقاء الرسول الى مستوى الملائكة مع أن هذا استعداد يهبه الله لمن يشاء ، فقد ثبت في حديث المعراج تقدم الرسول على جبريل في شهود الملأ الأعلى وسماع الخطاب الالهي ، ولسنا مضطرين للخوض في هذا الأمر إذ لايقدم ولايؤخر في حاجاتنا وضروراتنا.
وان القول بانسلاخ الرسول من البشرية إلى الملكية قد يؤدي إلى مزلق آخر وهو انسلاخ الرسول إلى الألوهية ، أو إلى الحلول والاتحاد كما فعل النصارى .
- وهو يميز بين اتصال قولي واتصال غير قولي في عملية الوحي :
(إذا كان الوحي كاملا لايفهمه إلا طرفا الاتصال ، فهو كلام بشفرة غير صوتية ، بلغة غير اللغة الطبيعية ، وفارق أساسي بين موقف الاتصال غير القولي وموقف الاتصال القولي في"الوحي")
أولا : إن الخوض في هذا الكلام يؤدي إلى ضلالات لأننا نتحدث عن غيب .
ثانيا : إن الوحي قد يكون بخلق العلم في الذهن ، كما علم الله الأسماء لآدم ، أفلا يجوز أنه سبحانه وتعالى خلق العلم في ذهنه ؟ فلاداعي إذن لتأويل شفرة الاتصال بين المتلقي والمرسل .
يجب علينا أن نعترف بعدم قدرتنا على ضبط حقيقة الوحي لأننا لم نمارس التجربة ، وليس من شأننا المعرفة لأنها مسألة تصديق ، إذ أن الإيمان بالكتب السماوية من أركان الإيمان التي هي اعتقاد دون إعمال عقل لأن محل الإيمان هو القلب .
والخلط بين الأمور الغيبية وغيرها هو منهج الفلاسفة في الماورائيات ، فالعقل غير مهيأ وغير مطالب بشكل المغيبات .
أنت وغيرك من الفلاسفة تفكرون بالقوصية التي انتقلت من اليونان إلى الفكر الاسلامي وتخوضون فيها وهي الخوض بدون دليل شرعي في الغيبيات .
- ويطرح اشكالية "هل الوحي باللفظ أم بالمعنى" فيقول :
(لكن الاشكالية طرحت عند علماء القرآن بطريقة أخرى ، حين تساءلوا : ماالذي نزل به جبريل من القرآن ؟ أهو اللفظ والمعنى ؟ أم هو المضمون والمعنى ؟ ثم وضع الرسول على كل ذلك رداء اللغة العربية ؟).
لقد قال الله تعالى "وهذا لسان عربي مبين" ، فلا معنى للقول بنزول المعنى دون اللفظ .
ودليلا آخر نلمسه في قوله تعالى : "نزله على قلبك" ، فهو منزل بلفظه ومعناه على قلب النبي صلى الله عليه وسلم ولكن بطريقة غيبية لانعرفها ، ولو قال على عقلك لكان اللفظ للنبي .
ولادور لجبريل في عملية الوحي سوى الإيصال ودليل ذلك قوله تعالى : (نزل به الروح الأمين) فلم يقل : (قاله) ، ونحن نتمسك بلفظ القرآن لانحور ولانفسر .
- ويعرض رأي الفريق الأول ويعبر عن رفضه له لافتراضه وجودا أزليا للنص في اللوح المحفوظ:
(ذهب الفريق الأول إلى أن المنزل كان : اللفظ والمعنى ، وأن جبريل حفظ القرآن من اللوح المحفوظ ونزل به .
والذي يهمنا هنا أن نلاحظه أن هذا الرأي يتصور للنص وجودا خطيا سابقا في اللوح المحفوظ ، وفي هذا التصور مافيه من إهدار لجدلية العلاقة بين النص والواقع الثقافي).
هذه العبارة تنم عن جهل واضح بقدرة الله عزوجل وعدم اليقين بعلمه بما كان وماسيكون من الأزل
والصفات التي لم يختلف عليها طوائف المسلمين وفرقهم هي : الحياة والقدرة والعلم .
وإن ادعاءك الجدلية بين الواقع والله كأنك تنسب إلى الله عدم العلم بالأحداث إلا عند وقوعها . بل هذه أقوال فرق زاغت قبلك ، وعليك إثم بعث هذه الأفكار من جديد .
- ويعلل لرفضه قبول وجود أزلي للنص في اللوح المحفوظ بقوله :
(لقد أدى هذا التصور للوجود الأزلي الكتابي للنص الى نتيجتين هامتين : النتيجة الأولى : المبالغة في قداسة النص وتحويله من كونه نصا لغويا دالا قابلا للفهم الى أن يكون نصا تصويريا).
أولا : أنت تفصل بين الدلالة والتصور ، وهذا مخالف لقواعد اللغة والمنطق ، بل على العكس من ذلك إذ نهى الإسلام - في الأمور الاعتقادية - عن التصور والتخيل والتمثيل ، حيث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (تفكروا بآلاء الله ولاتتفكروا في ذاته) وعندما أراد الله عز وجل أن يصف لنا حقيقة الجنة جاء الحديث القدسي متنحيا عن التصور والتخيل والتمثيل حيث قال : (أعددت لعبادي مالاعين رأت ولاأذن سمعت ولاخطر على قلب بشر).
ثانيا : نحن لانبالغ بقداسة القرآن كما تدعي لأنه مقدس أصلا ، وليست هذه القداسة خلعا منا عليه ، يكفي أنه كلام الله عز وجل فهو في أعلى مراتب القداسة . وإن خضوعنا له يقتضي خضوعا لكلامه ، ففي منطق الدنيا هل خضوعك لنصوص القانون يختلف عن خضوعك للقانون (مع الفارق بين الالزامية في النصين) ؟
ولكن بذرة هذا الشك جاءتكم من شك الغربيين في نصوصهم ، فنزعوا عنها القداسة لعدم تطابقها مع الواقع ومع بعضها . وتريدون نزع القداسة عن القرآن مثلهم .
- ويقارن بين النص النبوي والنص القرآني بقوله :
(ويمكن أن يكون ذلك مسئولا إلى حد كبير عن إعطاء الأولية في بعض مراحل تاريخنا الفكري والثقافي للأحاديث النبوية وذلك بوصفها خطابا بشريا قابلا للفهم من حيث اللغة والصياغة وذلك إذا قورنت بقداسة القرآن وأزلية لغته وتعبيرها عن ذات المتكلم سبحانه) .
هذا غير صحيح لأن الحديث لايعتبر مستوى بشريا لأنه صلى الله عليه وسلم (لاينطق عن الهوى ان هو إلا وحي يوحى) ، ولكن الحديث جاء لتبين مجمل القرآن كما قال تعالى :
(لتبين لهم) ، فالسنة شارحة للقرآن موضحة له منعا للاختلاف ، وفي حال الاختلاف أمرنا الله أن نرده إلى الله ورسوله .
- ثم يجعل لفظ الوحي لجبريل ولمحمد صلى الله عليه وسلم على اختلاف المرحلتين :
(ان الرأي الثاني يجعل الصياغة اللغوية للوحي مهمة جبريل مرة ، ويجعلها مهمة محمد مرة أخرى)
ونقول ليست هذه مهمة جبريل ولامهمة غيره ، فالله أنزله بلسان عربي مبين كما كان مكتوبا في اللوح المحفوظ .
- ثم يوضح عملية الصياغة التي تمت بين جبريل ومحمد صلى الله عليه وسلم بقوله :
(إنما نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم بالمعاني خاصة ، وأنه صلى الله عليه وسلم علم تلك المعاني وعبر عنها بلغة العرب) .
إن كان كذلك فلامعنى أن ينزل به الملك لأن المعنى يمكن أن ينقل بدون واسطة ، فلابد أن يكون الوحي باللفظ والمعنى معا .
وكأنك بالإصرار على البحث في هذا الموضوع تهد مفخرة الاسلام الخالدة وهي القرآن حتى يترك لكم الحبل عل الغارب كما ترك لغيركم في الأديان الأخرى .
- كما يميز بين مرحلتي الوحي باعتبار اختلاف ماهية الوحي بين المرحلتين :
(إن النص في هذا التصور كان نصا غير لغوي في المستوى الرأسي (الله - جبريل) ولكنه تحول الى نص لغوي في المستوى الأفقي (جبريل - محمد) . ولاشك أن مثل هذا التصور يتناقض مع مفهوم النص من أنه رسالة لغوية لايجوز المساس بمنطوقها أو تحريفها) .
مشكلتكم أنكم لاتميزون بين قدرة الله على الافهام بلغة وبدون لغة ، وتربطون دائما بين التصور في الذهن وبين الكلام ، مع أن التصور قد يكون بالنظر ، فاللفظ مرتبط بحاسة السمع وعند الانسان حواس خمس ، والعلوم اليقينية تبدأ من الحواس ، فهل كل علم لم يأتنا عن طريق اللفظ مهدر ، فما رأيك بالسنة الفعلية التي نقلت بنظر الرائين ، ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم (خذوا عني مناسككم) .
تفتحون أبوابا ولاتستطيعون إغلاقها !! لسنا بحاجة إلى ذلك في هذا الزمن الأغبر .
- ويعود الى الحديث عن شفرة الوحي :
(إن هذا الإشكالية (طبيعة الشفرة اللغوية المستخدمة في حالة الوحي) لم تكن مطروحة على العقل العربي في مرحلة ماقبل الإسلام ، وقد أدى إلى طرحها تطور العقل العربي واحتكاكه بثقافات أخرى ، وهذا يؤكد طبيعة العلاقة الجدلية بين النص والثقافة) .
أنت تعتقد أنها اشكالية ونحن لانعتقد ذلك ، النبوة معجزة في حد ذاتها لاتخضع لقوانين . وكلمة النبوة مشتقة من التنبؤ الذي لايكون إلا بالمغيبات ، ولادليل لنا على صحتها إلا ثقتنا في ناقله إلينا وهو الصادق الأمين .
- وينقل لنا تحليل ابن خلدون عن ظاهرة الانسلاخ من الإنسان إلى الملك فيقول :
(وفي تحليل ابن خلدون افتراض ضمني بأن حالة التحول من البشرية إلى الملكية ، تنفي الاتصال اللغوي حيث يكون التلقي رمزا من الكلام (الدوي) يتلقى من خلاله النبي المعنى الذي يصوغه هو بعد ذلك لإبلاغه).
إن وصف كلام الله بأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، دليل على أن الوحي كان باللفظ والمعنى ، ولو أن الوحي كان بالمعنى فقط لجاز التعبد باللغات الأخرى .
لقد أثبت العلم أن التردد يختلف بين الموجات (الطويلة والمتوسطة والقصيرة) وأن صوت الترددات لايفهمه إلا الجهاز المتلقي ، وقد نكون في غرفة ولانسمع هذه الذبذبات مع أن الجهاز المتلقي يلتقطها ويحولها إلى كلمات منطوقة مسموعة .
هذا تمثيل علمي تقريبي ولله المثل الأعلى ، بل إن صوت الإنسان يتحول في جهاز اللاسلكي من كلمات إلى ذبذبات ثم يعود ليتحول إلى كلمات في الجهاز الآخر المستقبل ، هذه علوم البشر فكيف بقدرة الله !!! . كما أن الكمبيوتر وهو من انجاز البشر يستطيع أن ينقل مئة مليون كلمة في أربع ثوان من أي مكان في العالم .
- ويفصل لنا رأي ابن خلدون في التمييز بين حالتي الانسلاخ للملك والرسول فيقول :
(واذا كان ابن خلدون قد فرق بين حالتين على أساس أن حالة الانسلاخ إلى الملكية هي حالة النبوة ، وأن الحالة الثانية هي حالة الأنبياء المرسلين ، فهل يمكن لنا أن نفترض أن المرحلة المبكرة في الوحي كانت مرحلة (نبوة) فقط غير متضمنة للرسالة ؟).
أولا : لايوجد فارق زمني كبير بين الآيتين ( اقرأ - المدثر) فلا فائدة منطقية للفصل بين النبوة والرسالة من أجل أيام معدودة .
ثانيا : أنا أصر على عدم الاعتراف بانسلاخ من البشرية ولا من الملكية ، أو بالحلولية التي ادعتها النصارى .
وكلمة المساواة بين المستويات الوجودية مرفوضة ، فنحن لانؤمن إلا بواجب الوجود وهو الله وجائز الوجود وهم المخلوقات .
من الثابت قطعا أن القرآن كله نزل بطريقة الوحي بين الملك والرسول لفظا ومعنى ، أما ماجاء من كلام جبريل فهو مطروح في الأحاديث حيث كان يتنزل بالمعنى من عند الله ،
فالقرآن يتعبد بتلاوته بخلاف الحديث القدسي الذي يكون فيه اللفظ للرسول والمعنى من عند الله ويبقى القرآن متفردا بأنه من عند الله بلفظه ومعناه .
" المقالة الخامسة "
[المتلقي الأول للنص "محمد" رسول الله صلى الله عليه وسلم]
- إنسان شاء الفكر الديني السائد أن يجعله حقيقة مثالية مفارقة للواقع .. !
- لقد تشكل النص متجاوبا مع الواقع ممثلا في شخص محمد .
- أسباب نزول القرآن :
لايمكن افتراض تأخر حكم بعض الآيات عن زمن نزولها .
بل يمكن افتراض تكرر نزول الآية أكثر من مرة ، لأنه افتراض يؤدي احتمال نسيان نصوص القرآن من قبل الرسول ذاته .. !!
- تأخر الوحي في فترة ما كان نوعا من التأديب لـ "محمد" ... !!!
- وعندما يتحول الكاتب للحديث عن المتلقي الأول للنص وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحاول ان يجرده من عظمته وتميزه بين البشر ويعتبره إنساناً عادياً كعامة الناس فى بيئته وعصره، وينسى بذلك اصطفاء الله له من بين البشر وعنايته عز وجل به منذ نعومة أظافره حتى بلغ سن الرسالة والأدلة على ذلك كثيرة وهى مطروحة فى كتب السيرة.
يقول الكاتب : ((هذا ما يحكيه التاريخ عن الرجل والإنسان الذى شاء الفكر الدينى السائد أن يحوله الى حقيقة مثالية ذهنية مفارقة للواقع والتاريخ.))
ونقول : إن هذا الزعم مخالف للواقع، فالنبى منذ الأزل فى علم الله هو نبى ، ولذلك كان معصوماً محفوظاً محفوفاً بالعناية الإلهية، وكان فذاً فى الأخلاق والقيم والفضائل قبل أن يبعث ، ولم يوجد له مثيل فى أهــل الأرض يساويه حتى اشتهر بين قومه بالصادق الأمين.
ولنأخذ مثالاً على عصمته مما كان يقع فيه أترابه عندما كان فتى يافعاً، فعندما هم أن يسمر مرة كما يسمر الفتيان ودخل داراً أقيمت فيها حفلة للغناء والعزف ضرب الله على أذنه النوم فنام وما أيقظه إلا حــر الشمس ، ثم كرر المحاولة ثانية فنام كما فى المرة الأولى ، ألا يـــدل ذلك على أن هذا بشر متميز يحضّره الله لمهمة سامية ؟ .
أما تجريده من إرهاصات النبوة وإعادته إلى رمز بشري عادي، فلو كان كذلك لما انصاع له الناس. لقد أكد لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ليس مثلنا، فعندما نهانا عن مواصلة الصيام وكان هو يواصل قا ل : "لاتواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل الى السحر ، قالوا : فانك تواصل يارسول الله قال : اني لست كهيئتكم ، اني أبيت لي مطعم يطعمني وساق يسقيني" فضلاً عن الآيات التى دلت على عظمته وتميزه (وإنك لعلى خلق عظيم) ، وكذلك الآيات التي دلت على فضله ووجوب التعامل معه بأدب " الاستئذان للدخول عليه - غض الأصوات عنده " وعدم التجادل معه، وكلها آيات نزلت من عند الله توجب احترامه، حتى أنه قال مؤكداً لنا تميزه : " أنا سيد ولد آدم ولا فخر" .
- ثم نجده يتساءل عن واقع العرب ونزوعهم للعودة إلى دين إبراهيم فيقول : ((لقد كان البحث عن دين إبراهيم فى حقيقته بحثاً عن الهوية الخاصة للعرب، وهى هوية كانت تهددها مخاطر عدة، أهم هذه المخاطر هو الخطر الاقتصادي النابع من ضيق الموارد الاقتصادية وقد أوشكت حياة الصراع والتناحر والحروب بين القبائل أن تؤدي إلى القضاء على الحياة ذاتها.))
هذا تفسير مادى للتاريخ، فالحرب لم تنقطع بينهم بل إن أهم قبيلتين ساهمتا فى إقامة الإسلام (الأوس والخزرج) لم تنته الحروب بينهما إلا قبيل الإسلام.
إضافة إلى ذلك لوكانت هذه الفكرة حاضرة فى ذهن العرب لتقبلتها قريش أولاً حينما نصحها أحدهم بقبول الرسالة لتدين لهم العرب، كما تقول الرواية.
وأما البحث عن دين إبراهيم فلا يعنى بحثاً عن دين خاص للعرب، فالنبى الوحيد الذى غطت رسالته أمماً كثيرة (غير محمد رسول الله) كان إبراهيم عليه السلام فقد دعا إلى الله ابتداء من العراق ثم في مصر وفي فلسطين ووصل إلى جزيرة العرب.
ونرى فى كلامك هذا مشابهة لبعض أصناف اليهود والنصارى التي تعترف بالإسلام ديناً للعرب. كما نجد فى كلامك مشابهة لكلام بعض الفلاسفة الذين يعتقدون أن الإسلام جاء ممالئاً لعادات العرب.
ونتساءل اليوم : هل برزت الشخصية العربية منفصلة عن الإسلام ؟
فما يزال العرب آخر الناس وأكثرهم حرباً فيما بين بعضهم، ولو بحثنا عن سبب لذلك لما وجدنا سوى بُعدهم عن الإسلام وتخليهم عنه، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الإسلام لم يأت بهدف منهم لتوحيد العرب ، بل إن الإسلام رقاهم الى فوائد وميزات أخرى اكتسبها العرب من الإسلام، لكنهم حينما ضلوا عنها عادوا الى فتنتهم السابقة وديونهم القديم.
إضافة الى ذلك يجب علينا أن نأخذ بعين الإعتبار أن العرب من أصعب الأمم خضوعاً بعضها لبعض، وظهور النزاعات العربية أضرت حتى بالإسلام، فالنزعة المضرية والقحطانية والعدنانية هى التى أودت بالأندلس ، وحتى اليوم نجد هذه النزعة منتشرة حسب المناطق.
- ثم نجده يسهب فى الحديث عن بحث بعض الأفراد عن دين إبراهيم، كزيد بن عمرو ورحلته الى أطراف الجزيرة والموصل وبلاد الشام وسؤاله للرهبان والأحبار عن الحنفية (دين إبراهيم) ويقول : (( لابد أن تكون هذه " الأيديولوجية" التى كان يبحث عنها هؤلاء الأفراد من العرب أيديولوجية تحقق الهدفين : مواجهة الصراعات الداخلية، ومواجهة الخطر الخارجى الممثل فى أعداد العرب من الفرس والروم لقد رحل زيد بن عمرو باحثاً عن هذه الأيديولوجية فى " دين إبراهيم .))
إن تحليلى يختلف عن تحليلك، إن زيد بن عمرو كان يبحث عن دين توحيد لا عن وثنية، فالمسيحية أصبحت لا تفترق كثيراً عن الوثنية بتأليه عيسى وروح القدس، فكأنه يقع فيما فرَّ منه. أما اليهودية فهى عنصرية متعالية، والحنفية تعني عبادة الله وحده فهداه عقله للتوحيد ولكنه لم يكن يعرف على أي مثال يعبد الله.
ولا تنس أن كثيراً من عقائد الحنفية كان معروفاً فى مكة، ولم يبتديء الشرك إلا فى زمن عمرو بن لحي الذى حرف فى أسلوب التلبية : "لبيك الهم لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريك تملكه وما ملك" وهو الذى أدخل الأصنام إلى مكة لغرض تجاري لأن القبائل الأخرى كانت تعبدها (هبل من الشام) حتى أن النصارى العرب كانوا يحجون إلى البيت وكانت صورة للعذراء والمسيح فى الكعبة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بطمسها، فهل هذا يعنى أن أهل مكه كانوا مسيحيين ؟ أم أنهم جمعوا رموز عبادات جميع العرب ووضعوها فى الكعبة من منطلق تجاري، ثم دخل الشرك فى الناس.
- ويعود الكاتب من جديد لتكرار رفضه لحقيقة حفظ القرآن فى اللوح المحفوظ قبل نزوله منجماً على رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤكداً من جديد أنه نتاج الواقع والثقافة، فيقول :
(( إن هذا التصور يجعل النص معطى سابقاً كاملاً مكتملاً فرض على الواقع بقوة إلهية لا قبل للبشر بها. وكان من شأن هذا التصور أن يؤدى إلى عزل النص عن حركة الواقع تدريجياً وذلك بتحويله من نص لغوى دال الى مجرد شيء مقدس، إلى مصحف يستمد قداسته من مجرد وجوده تمثيلاً لأصله القديم الماثل في عالم الأرواح والمثل.))
نشتم فى هذا الكلام أنك تقول بأن القرآن مخلوق، ومصدر اللبس عندك هو نزول القرآن منجماً. وثانياً أنك تنكر علم الله الأزلى القديم ، فكأن الله لا يعلم بالحوادث إلا عند وقوعها وهذا مذهب البدء عند بعض الفرق الضالة .
نعم لقد نزل القرآن لتصحيح الأوضاع حتى تكون مطابقة للحق المراد من الله منذ الأزل، وقد احتوى من المرونة ما يجعله يستوعب المستجدات بكلماته المنضبطة ولذلك استحق التقديس.
وسواء صحت الروايات أن الحروف بقدر جبل قاف أم غيره فنحن نعلم أنه كلام الله وعلمه الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، فلو كانت الأمور بعظم حجمها فكيف استوعبت (420) صفحة دستوراً خالداً وظل معيناً لا ينضب للاستنباط حتى يومنا هذا.
- وتأكيد لجدلية العلاقة بين النص والواقع يقول :
( إن النص هنا وإن كان يتشكل من خلال تجاوبه مع الواقع ممثلاً في شخص محمد، يتجاوز ببنائه وتركيبه تلك المناسبة الجزئية . إن النصوص وإن تشكلت من خلال الواقع والثقافة تستطيع بآلياتها أن تعيد بناء الواقع . وقد رأينا كيف أن النص الذي يخاطب محمداً ويستجيب لهمومه يتجاوز موقف الاستجابة السلبي إلى محاولة صياغة واقع جديد)
لقد بدأ خطؤك من الاستنتاج فى البداية إذ أنك بدأت فى الاعتقاد أن المشركين لا يعلمون أن الخالق هو الله، والدليل على عكس ذلك قوله تعالى : (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله) ، فلم يكونوا ينكرون خلق الله لكل شيء ولكن كانوا يشركون معه فى العبادة ، فتدرج الله بهم من الحقائق التي يعرفونها إلى أخطائهم التي يمكن أن تنفى إذا علموا الحقيقة وقدروها حق قدرها ، فما هو الداعي للشرك ؟!
أما المفهوم - المستوى الدلالى - فهو لم ينشىء واقعاً جديداً، فالألوهية حقيقة موجودة وإن جحدها الكافر أو غطاها، فالقرآن لم ينشىء واقعاً جديداً إنما أزاح التغطية عن الواقع والدليل على وجود هذه الحقيقة فى نفوسهم أن المشرك إذا وقع فى ضنك لجأ إلى الله فإذا كشف الله غمته عاد الى جحوده ونكرانه قال تعالى : ( حتى إذا كنتم فى الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين. فلما أنجاهم إذا هم يبغون فى الأرض بغير الحق ...)
وقال تعالى ( وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً فلما كشفنا عنه ضره مّر كأن لم يدعنا الى ضر مسَّه .....) .
ولكنهم جحدوها واستيقنتها أنفسهم.
ومنشأ هذا الخلط في تفكيرك أخذ القرآن مجزءاً والنظر إلى كل آية منفصلة عن غيرها وهذا من قبيل ضرب القرآن بعضه ببعض.
- ويرفض القول بتأخر حكم بعض الآيات عن زمن نزولها بقوله :
((بناء على هذا المعيار لا نستطيع أن نتقبل مثلاً ما يذهب إليه السيوطي من وجود نصوص فى القرآن تأخر حكمها عن نزولها، أي نزلت النصوص أولاً ثم فرض ما فيها من أحكام شرعية وفقهية فى مرحلة متأخرة غير مقارن لنزول النص.))
نحن نريد أن نسألك عن النصوص التى نزلت فى زمن مخالف لزمننا كيف تحكم عليها ؟
أليس بالعلة ؟ فالعلة مدار الحكم وليس اللفظ فالألفاظ متناهية والوقائع غيرمتناهية.
ومن جانب آخر : قد ينطبق النص على أكثر من حالة فهنا تطبيق وهناك تطبيق آخر.
ثم إن القرآن كلام أزلي لم ينزل متفاعلاً مع الوقائع فقط (كما تدعي) وإنما هو فى علم الله بأنه سيكون كذا وكذا. وإن تجريد القرآن عن وصفه الإلهي يدخلنا فى أبواب جديدة هل هو حادث أم قديم؟ وكأنك تشير لرأي المعتزلة بأن القرآن مخلوق.
ثم يقول : ((أما خصيصة مراعاة الفاصلة : فإنها يمكن أن تفسّر أيضاً فى ضوء تشابه آليات النص مع آليات النصوص الأخرى فى الثقافة (سجع الكهان والعرافين).
كانت نبوءات الكهان والعرافين تعتمد على السجع، وكان للسجع من ثم دلالة فى الضمير الثقافى على أن هذا الكلام ليس من كلام البشر الناطق به.))
أولاً : نزل القرآن متحدياً للعرب بأساليب بيانهم المعروفة، فلوكان سجعاً لما خفي عن العرب الفصحاء ولسموه سجع الكهان.
وثانياً : ليس القرآن كله متماثل الفواصل فهناك أماكن تتماثل فيها الفواصل وأخرى تختلف.
إنه نسيج فريد من نوعه حتى أن علماء البلاغة بعد نزول القرآن قسموا علوم البيان إلى شعر ونثر وقرآن فلم يبلغ فصاحته حتى الحديث النبوي وإعجازه المجمع عليه جميع فقهاء اللغة هو الإعجاز البياني والأسلوبي، فدقة العبارة ووضوح الإشارة مع الاختصار قمة البيان، وذلك بمقارنته مع غيره من الكتب السماوية كالتوارة مثلاً.
- ويتحدث عن تفسير الحروف المقطعة لأوائل السور في القرآن الكريم :
((ولو تخلى القدماء هوناً ما عن هذا الحرص الشديد على المفارقة بين النص والنصوص الأخرى لأمكنهم أن يفسروا (الحروف المقطعة) فى أوائل السور تفسيراً يتباعد بها عن إشكالية (المحكم والمتشابه) ويربطها بالسياق الثقافى للنص، لكن ذلك كان مستحيلاً مع سيطرة الاتجاهات الغيبية التبريرية على تطور حركة الفكر الديمني فى تراثنا.))
هل تفسير (الم) مثلاً سوف يزيد فى علمنا أو ينقص وبالذات فى تكليفنا، لو كان كذلك لما وسع الرسول إلا توضيحه، بل ومنزل القرآن سبحانه أشار الى أن هنالك متشابه (لا يعلم تأويله إلا الله)، وما دقت أعناق الرجال إلا فى تتبع المتشابه الذي احتفظ الله به لنفسه . فالمحكم هو ما نحن مطالبون بتطبيقه، أما المتشابه فإعجاز إلهى، فما هى الجدوى من الاستطراد وراء تفسيره ؟ مع أن بعض الباحثين فى الإعجاز العددي فى القرآن وجدوا أن هناك تناسباً بين الحروف المقطعة وعدد تكرارها فى كل سورة، (إن كنا لا نؤمن بهذا النوع من التحليل لأنه ليس عربي الأصل) مع أنه رادع لمن يؤله العقل.
- وحول تحديد نزول النص مكيا أو مدنيا يقول :
((كان من نتيجة عجز المفكر القديم عن ربط النص بالواقع والثقافة، وعن ربطه بغيره من النصوص، أنه راح يحاول الترجيح بين الروايات المختلفة حول تحديد ما إذا كان نص بعينه مكياً أو مدنياً، فهو يفترض أحد أمرين : الأول أن النص تكرر نزوله مرة فى مكة ومرة فى المدينة، والثانى أن النص نزل فى مكة ولكن حكمه الشرعي والفقهي تأخر حتى المرحلة المدنية.))
لقد اختلط على كثير من الناس أمر الآية (إذا نزلت مجملة) وأمر تفصيلها، فقد تنزل مجملة ثم يأتى التفصيل بالحديث لاحقاً لذلك، فيظن البعض أن الآية نزلت مرتين أو غير ذلك.
فالنظرة الأحادية للتشريع الإسلامى تقود إلى أخطار مثل ذلك.
فلا ينبغى أن نفصل بين مصدري التشريع، فالسنة شارحة للقرآن، فحينما فرض الله الصلاة، ترك أمر تفصيلها للرسول صلى الله عليه وسلم مصداقاً لقوله تعالى : (لتبين لهم) ، وبعد أن فصّل لنا عليه الصلاة والسلام قواعد الصلاة قال : " صلوا كما رأيتمونى أصلي" .
وبشكل عام كانت فترة مكة فترة ترسيخ للعقائد، والمدينة للتشريع وهذا لا ينفي أن يكون جزء من ذلك نزل هنا والعكس صحيح على قاعدة التدرج بالتشريع.
- ويعلق الكاتب على افتراض تكرر نزول الآية ويعتبره عجزاً عن مواجهة آراء السابقين بالنقد، وأن هذا العجز نابع من الإيمان بقداسة الأشخاص، ويعقب على ذلك فى الهامش فيقول :
((يمكن أن نرد هذا الموقف على المستوى الفكري إلى سيطرة الاتجاهات اللاعقلية بسيادة المنهج الأشعرى فى مجال العقائد والمنهج الصوفي فى مجال السلوك.
وفى ظل هذا الاتجاه صُنفت الاتجاهات الأخرى فى الفكر الديني كالمعتزلة والشيعة والفلاسفة بوصفها اتجاهات منحرفة. ولم يبق سوى ما أطلق عليه "مذهب أهل السنة والجماعة" وكانت هذه فيما ندري أول صياغة لصك البراءة والطهارة - صفة السني - لاتجاه واحد من اتجاهات تراثنا الفكري.))
لا غرابة أن تثور على أهل السنة، فالاعتزال واضح فى فكرك وتحاول بكل الطرق إثارة الشبهات لإثبات أن القرآن مخلوق.
ولا غرابة فى أن الفكر العلماني اليوم يعلي من شأن المعتزلة وغلاة الصوفية المؤولة والشيعة والفلاسفة، فهدف الجميع معروف وهو التشكيك فى صحة القرآن والحديث والتأويل المنفلت الذى لا يضبطه ضابط حتى يخرجوا بتأويلات مع ما وقر فى صدورهم.
فلا أدري هل علمانية اليوم اتفقت معهم أم توافقت ؟ وهل بأجر أم بغير أجر ؟ أم تشابهت القلوب فتطابقت الأعمال ؟
فنحن نلتزم بنصوص الكتاب والسنة، أما اجتهادات الفقهاء فهم رجال ومعرضون للخطأ، ولكن الاتجاه العام للسنة واضح من خرج عليه لم نعده منا، فالسنة اتباع وليست ابتداع، وفهم صحيح منضبط بقواعد علمية لا للهوى والنفس دخل فيها.
- ويفترض محظورا من موضوع القبول بتكرر النزول وهو :
((إن افتراض نزول القرآن مرتين قد أدى إلى افتراض آخر مؤداه أن نصوص القرآن التى نزلت كانت عرضة للنسيان ومن النبى ذاته، ولذلك كان يحتاج مع تجدد وقائع شبيهة أن ينزل عليه جبريل مرة أخرى مذكراً له بالنص السابق الذي أوحي إليه به من قبل.))
هذا خطأ واضح، والصحيح أن القرآن نزل كاملاً ثم نزل منجماً وفقاً للحوادث، وهذا أمر لم يختلف عليه المسلمون، أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو معصوم عن النسيان فى أمور الرسالة والوحي وقد تكفل الله بتثبيت هذا القرآن فى صدره دون حاجة لمجهود أوعناء منه لذلك قال له : (لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه) وهذا سيف قاطع مشهر فى وجه كل من يشك فى أن الجمع أو الحفظ كانت تحوم حوله شبهة، بل إن من هم أدنى من مرتبة الرسول صلى الله عليه وسلم وهم حفظة القرآن لم يكن النسيان يتسرب إلى حافظتهم، فالله جلت قدرته تكفل بحفظه حين قال : (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) ، وإن من معجزات هذا القرآن أن يسره الله للحفظ والمذاكرة حتى لنجد الطفل الذى لم يبلغ الثامنة يحفظ هذا القرآن بكامله (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر)
- ونجده فى مكان آخر من كتابه يستشهد بنصوص من السيرة النبوية ليثبت الربط بين النص والأحداث أو ما يسميه بجدلية العلاقة بين الواقع والنص. والنص الذي ينقله من السيرة يتحدث عن أهل مكة الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الفتية الذين ذهبوا فى الدهر الأول - وذلك بتحريض من أحبار اليهود، فقال لهم رسول الله : (([أخبركم بما سألتم عنه غداً، ولم يستثن فانصرفوا عنه، فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما يذكرون - خمس عشرة ليلة لا يحدث الله إليه فى ذلك وحياً.]
إن السيرة هنا تطرح سبب النزول وتحدد من ثم مكية الآيات بطريقة أكثر ارتباطاً بالنص من جهة وبالواقع من جهة أخرى، بل تتجاوز ذلك إلى التقليل النابع من الإحساس بجدلية العلاقة بين الواقع والنص. لقد كان تأخر الوحى نوعاً من التأديب لمحمد الذي وعدهم بالرد على جهة القطع والتأكيد فى الغد دون أن يشترط المشيئة الإلهية أو نزول الوحي عليه. لذلك تحرص السيرة على بيان أن نزول الوحي ليس رهناً بإرادة محمد أو رغبته. ولذلك نعجب من تجاهل علماء القرآن لمرويات السيرة سواء فى مجال التفسير أم فى مجال أسباب النزول.))
أما الجواب : فمع احترامنا لكتب السيرة والتاريخ فإنها غير منضبطة.
وإذا كنت قد تجرأت على لفظ اسم محمد مجرداً، وأن الوحي لا ينزل لرغبته فما أتفه تفكيرك حينما ترى أن الوحي ينزل فى جدلية مع الواقع والأحداث، فالأحداث مخلوقة ومحمد سيد المخلوقات. وإن استطرادكم فى جدلية الواقع والنصوص استطراد معلوم بدايته وهى نفي العلم الأزلي عن الله، والهدف هو فتح باب التأويل المنفلت منطلقين من الواقع، معاكسين بذلك رأي الفقهاء الذى ينطلق من الضرورة والحاجة المتفق عليها ويجدون ما ينطبق عليها من العلل فى النصوص.
وأما ما قلته عن تأديب المصطفى صلى الله عليه وسلم وتأنيـبه، فيكفينا شهادة الحق سبحانه وتعالى به : (وإنك لعلى خلق عظيم)، وكان خلقه القرآن وهو يفتخر إذ يقول (أدبنى ربى فأحسن تأديبى) فأنت والله الذى تحتاج الى تأديب، ألا ترى أن الله عز وجل حينما كان يعاتب نبيه فى القرآن كان يتلطف معه ويفتتح العتاب بالعفو والصفح عنه . ألم تسمع ماذا قال له عندما أذن للمنافقين بالتخلف عن غزوة تبوك : (عفا الله عنك لم أذنت لهم) أم عميت بصيرتك ؟ فمن أنت حتى تتكلم عن رسول الله ؟ ولكن يقول الله تعالى : (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) فمن أين نأتي لكم بالتقوى وهى لا تباع ولا تشترى ؟.
ثم يعود للقول :
((لكن علماء القرآن أحياناً ما يلغون علاقة التلازم والتزامن الضرورية هذه بين النص والدلالة وذلك بافتراضهم امكانية أن يسبق النص الحكم، بمعنى أن ينزل النص أولاً فى المرحلة المكية ثم يتقرر حكمه الشرعى أو الفقهي بعد ذلك فى المرحلة المدنية. ويفترضون أيضاً - بحكم علاقة التلازم المنطقي - امكانية أن ينزل الحكم أولاً فى المرحلة الملكية، ثم يرد النص الدال عليه بعد ذلك فى المرحلة المدنية.))
أولاً : هذه من أخطاء المناطقة، فالمنطق كآلية لا غبار عليه، وإن كل العيب فى المنطق أن ننطلق من مقدمة خاطئة فالنتيجة لابد أن تكون أكثر خطأ، فلم يحدث أن عكس العلماء الأمر مطلقاً.
ومن جانب آخر لعلك لا تعلم أن المعتبر فقهاً هو عموم اللفظ وليس خصوص السبب، ولو كان لكل سبب حكم لا يتجاوزه لغيره وتختص به آية لاحتجنا لعدد من الآيات لا نهاية له، ليتكم تريحون أنفسكم وتدرسون على الأقل تحقيق العلل وتنقيحها ودراسة مسارها.
بل وفى أنظمتكم الوضعية : هل يحكم النص ما يتلوه من حوادث أم ما يسبقه ؟ وهل التشريع فى عرفكم الوصفي يوضع لحادثة معينة أم قاعدة تنضبط مع عدد كثير من الحوادث ؟
ليس هذا فحسب بل أقول : إن الحكم قد يتغير ذاته طالما أن الوحي يتنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم والدليل على ذلك نسخ كثير من الأحكام بتنزل آيات جديدة وبالأحاديث النبوية على مبدأ التدرج فى التشريع، مثال ذلك : آيات الخمر ونزولها متدرجة فى تحريم شربها، ودليل ذلك من الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم : (كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها....) وعلة ذلك أنهم كانوا أولاً حديثي عهد بالإسلام، وحينما استقر الإسلام فى قلوبهم تغيرت بعض الأحكام.
ثم نجده يتكلم كلاماً غريباً عن تطبيق أحكام الشريعة إذ يقول: ((إن المطالبة بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية وثب على الواقع وتجاهل له ، خاصة إذا تم اختزاله فى مسألة تطبيق أحكام الحدود كما هو الأمر عند كثير من الجماعات التى تطلق على نفسها اسم إسلامى . إن حصر غاية الدين وأهدافه فى رجم الزانى وقطع يد السارق وجلد شارب الخمر .. أمر يتجاهل مقاصد الشريعة وأهداف الوحى فى تشريع هذه الحدود.))
إن ما يخيفكم فى الشريعة الإسلامية هو الحدود وقسوتها فكأنه اعتراف منكم بتفشي تلك الموبقات ، بل والرغبة فى إبقاء تلك المظاهر التى حاربتها الحدود من زنا وسرقة وشرب خمر .. وغيرها ، ولم تتبينوا أن الإسلام قدر ظروفها ، وأن هنالك فرق بين الحكم وانطباق شروطه.
لقد جاءت أحكام الشريعة لتصلح المجتمع وتحسٌن الواقع ، بل كانت الغاية السامية من وضع القواعد المنضبطة فى التشريع إنشاء الفرد الصالح انطلاقاً من الواقع المعاش.
وكانت مشروعية الحدود وتطبيقها رهناً بالواقع ، وخير مثال على هذا إيقاف عمر إقامة حد السرقة عام الرمادة. وقد اجتهد العلماء فى تطبيـق تلك الحدود فوضعوا ضوابط وشروطاً لابد أن تنطبق على الجانى حتى يقام عليه الحد ، فحد السرقة لا يقام على السارق إلا بتوافر شروط :
أولها : أن يكون المال المسروق بالغاً لنصاب معين ، فلا يقام الحد على سرقة المال القليل.
ثانيهما : أن يكون المال المسروق محفوظاً فى حرز المثل، فلا يقام الحد على من وجد المال ملقى أمامه دون حصانة.
ثالثهما : أن لا يكون للسارق شبهة تملك فى المال المسروق، كشراكة وإرث ونحوهما.
رابعهما : أن لا يكون السارق مضطراً للمال الذى سرقه ، كشراء طعام أو دواء.
وبعد كل هذا هل يصح لنا أن نتجنٌى على مشروعية الحدود ونقول بأنها تتجاهل مقاصد الشريعة؟
أو هى وثب على الواقع وتجاهل له ؟ وعلاوة على ذلك فالإسلام لم يجٌوز إقامة الحد على مجرد الشك والظن والإتهام بل لابد من الاعتراف وإقامة البينة، ولذلك فقد اشترط فى إقامة حد الزنا شهادة أربعة شهود.
- ويعود الكاتب من جديد لتكرار رفضه لحقيقة حفظ القرآن فى اللوح المحفوظ قبل نزوله منجماً على رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤكداً من جديد أنه نتاج الواقع والثقافة، فيقول : (( إن هذا التصور يجعل النص معطى سابقاً كاملاً مكتملاً فرض على الواقع بقوة إلهية لا قبل للبشر بها. وكان من شأن هذا التصور أن يؤدى إلى عزل النص عن حركة الواقع تدريجياً وذلك بتحويله من نص لغوى دال الى مجرد شيء مقدس، إلى مصحف يستمد قداسته من مجرد وجوده تمثيلاً لأصله القديم الماثل في عالم الأرواح والمثل.))
نشتم فى هذا الكلام أنك تقول بأن القرآن مخلوق، ومصدر اللبس عندك هو نزول القرآن منجماً. وثانياً أنك تنكر علم الله الأزلى القديم ، فكأن الله لا يعلم بالحوادث إلا عند وقوعها وهذا مذهب البدء عند بعض الفرق الضالة .
نعم لقد نزل القرآن لتصحيح الأوضاع حتى تكون مطابقة للحق المراد من الله منذ الأزل، وقد احتوى من المرونة ما يجعله يستوعب المستجدات بكلماته المنضبطة ولذلك استحق التقديس.
وسواء صحت الروايات أن الحروف بقدر جبل قاف أم غيره فنحن نعلم أنه كلام الله وعلمه الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فلو كانت الأمور بعظم حجمها فكيف استوعبت (420) صفحة دستوراً خالداً وظل معيناً لا ينضب للاستنباط حتى يومنا هذا.
- ونجده فى مكان آخر من كتابه يستشهد بنصوص من السيرة النبوية ليثبت الربط بين النص والأحداث أو ما يسميه بجدلية العلاقة بين الواقع والنص. والنص الذي ينقله من السيرة يتحدث عن أهل مكة الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الفتية الذين ذهبوا فى الدهر الأول - وذلك بتحريض من أحبار اليهود، فقال لهم رسول الله : (([أخبركم بما سألتم عنه غداً، ولم يستثن فانصرفوا عنه، فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما يذكرون - خمس عشرة ليلة لا يحدث الله إليه فى ذلك وحياً.]
إن السيرة هنا تطرح سبب النزول وتحدد من ثم مكية الآيات بطريقة أكثر ارتباطاً بالنص من جهة وبالواقع من جهة أخرى، بل تتجاوز ذلك إلى التقليل النابع من الإحساس بجدلية العلاقة بين الواقع والنص. لقد كان تأخر الوحى نوعاً من التأديب لمحمد الذي وعدهم بالرد على جهة القطع والتأكيد فى الغد دون أن يشترط المشيئة الإلهية أو نزول الوحي عليه. لذلك تحرص السيرة على بيان أن نزول الوحي ليس رهناً بإرادة محمد أو رغبته. ولذلك نعجب من تجاهل علماء القرآن لمرويات السيرة سواء فى مجال التفسير أم فى مجال أسباب النزول.))
أما الجواب : فمع احترامنا لكتب السيرة والتاريخ فإنها غير منضبطة.
وإذا كنت قد تجرأت على لفظ اسم محمد مجرداً، وأن الوحي لا ينزل لرغبته فما أتفه تفكيرك حينما ترى أن الوحي ينزل فى جدلية مع الواقع والأحداث، فالأحداث مخلوقة ومحمد سيد المخلوقات. وإن استطرادكم فى جدلية الواقع والنصوص استطراد معلوم بدايته وهى نفي العلم الأزلي عن الله، والهدف هو فتح باب التأويل المنفلت منطلقين من الواقع، معاكسين بذلك رأي الفقهاء الذى ينطلق من الضرورة والحاجة المتفق عليها ويجدون ما ينطبق عليها من العلل فى النصوص.
وأما ما قلته عن تأديب المصطفى صلى الله عليه وسلم وتأنيـبه، فيكفينا شهادة الحق سبحانه وتعالى به : (وإنك لعلى خلق عظيم)، وكان خلقه القرآن وهو يفتخر إذ يقول (أدبنى ربى فأحسن تأديبى) فأنت والله الذى تحتاج الى تأديب، ألا ترى أن الله عز وجل حينما كان يعاتب نبيه فى القرآن كان يتلطف معه ويفتتح العتاب بالعفو والصفح عنه . ألم تسمع ماذا قال له عندما أذن للمنافقين بالتخلف عن غزوة تبوك : (عفا الله عنك لم أذنت لهم) [التوبة - 43] أم عميت بصيرتك ؟ فمن أنت حتى تتكلم عن رسول الله ؟ ولكن يقول الله تعالى : (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) [الحج - 32] فمن أين نأتي لكم بالتقوى وهى لا تباع ولا تشترى ؟.
يكتشف من أول وهلة بأنه ينتهج أسلوب المستشرقين في كتاباته ونقده لمنهج وفكر الاسلام ، حيث يتجه مباشرة الى مقارنة الفكر الاسلامي بالفكرين المسيحي واليهودي ويحاول إبراز طابع تخلف الفكر الاسلامي مقارنة بالفكر المسيحي واليهودي بعد أن تم تجديدهما والتخلص من هيمنة الكنيسة بعد الثورة الصناعية التي اجتاحت أوربا والغرب عموما خاصة بعد الثورة الفرنسية التي أدخلت المفهوم العلماني وفصلت الدين عن الدولة ، وتم تهميش دور الكنيسة .
ومع أن الفكر الاسلامي يختلف أساسا اختلافا جوهريا عن الفكر المسيحي واليهودي خاصة لما شاب الفكرين المسيحي واليهودي من تحريف وإفراغ من محتواهما الحقيقي فإن الكاتب لم يتوان في السير في الخط الاستشراقي لنقد الفكر الاسلامي متهما إياه بالانغلاق والعقائدية والتخلف وعدم التطور والتصلب الصارم ، متجاوزا تناول مسائل الاجتهاد حتى وصل إلى مسائل العقيدة والتحليل لمعنى كلمات على أسس غير عربية .
يتضح ذلك جليا من استخدامه كلمات ومعاني وعبارات غريبة كل الغرابة عن منهج اللغة العربية ويتغاضى عن معجزة الاسلام والقرآن أنه نزل باللغة العربية وأنه تحدى أعداءه بمحاولة الإتيان بمثله أو بجزء يسير منه ، وترى في هذا الكتاب هذا الفيلسوف ينقد الاسلام بعبارات وكلمات يحاول اقحامها على اللغـة العربيـة لتوصيل الفكر والمعنى الذي يريده لقرائه من الغربيين الجاهلين بالاسلام ، في حين أن أي مسلم إذا اطلع على كتبه يكتشف مدى جهله باللغة وأصول الدين ، ويتضح ذلك من عبارات وكلمات مثل (الابستمويجية) والتي تعني في اللغة العربية (المعرفة) ، وكلمة (الدغمائية) وكان يمكن أن يسميها (العقائدية) ، و (السمانتيك) ويقصد بها (الرمزية) ، و (الارثذوكسية) ويقصد بها التصلب الصارم ، ولم يقف عند ذلك الحد باضافة عبارات فرنسية وكنسية ولاتينية ، بل تجاوز ذلك الى اضافة مصطلحات جديدة في اللغة مثل تسمية الاسلاميين (الاسلاماويين) ، وعبارات لاتينية مثل (أوسكلاستكس) ويقصد بها (الفصلى) نسبة الى كلمة Schuol باللغة الانجليزية ، وكلمة (اركلوجيا) ويقصد بها (علم الآثار والبحث العميق) ، و (الفللوجيا) ويقصد بها فقه اللغة أو (فقه النصوص) ، وغيرها من الكلمات والعبارات وهي غابة من المفاهيم والعبارات التي لها مرادفات عربية واضحة كان يمكن استخدامها وتقريب فهم القارىء للكتاب بصورة ميسرة وكأنه يريد إظهار العضلات باستخدام مثل هذه العبارات على حساب اللغة العربية .
ان منهج هذا الفيلسوف وهو أستاذ في جامعة السربون منهج لايختلف كما أشرت عن مناهج الفلاسفة المستشرقين وقام بدراسة التاريخ العربي والاسلامي من مفهوم الفلاسفة المستشرقين وهو يكتب باللغة الفرنسية ويترجم كتبه إلى اللغة العربية وإذا عرف السبب بطل العجب حيث أن الذي لايفكر من داخل الإطار الثقافي للغة لايستطيع أن يتعايش معه ، وجل أخطائه تنطلق من كتابه من الاجتهاد إلى التعدي على العقل والفكر الاسلامي ، ودخل في ورطة معرفية (في كتابه من الاجتهاد إلى نقد العقل الاسلامي) اتهم فيها جميع العرب والمسلمين ابتداء من سيدنا عمر بن الخطاب الى الصحابة الى التابعين الى الفقهاء بالتآمر على التشريع الاسلامي ، واستشهد في ذلك بمسألة الكلالة في علم الميراث ، ويرى بأن هذه المسألة تحاشوا تفسيرها باعتبار أنها كانت ستقلب علم الميراث رأسا على عقب حيث يفسر الكلالة بأنها (الكنة) موضحا جهله الفاضح باللغة وبالفقه على السواء وموجها نقده لموضع فهمه فيه قاصر كل القصور .
والكلالة كما هو وارد في كتب الفقه والتفسير والمعاجم مشتقة من الاكليل وهو الذى يحيط بالرأس من جوانبه والمراد فقها من يرثه من حواشيه لا أصوله ولا فروعه ، أي هو الشخص الذي لا ولد له ولا والد عند الوفاة ، وكلمة كلالة بمعناها هذا البعيد عن المعنى الذى رمى اليه الكاتب لايثنى ولايجمع لأنه مصدر .
هذا الكاتب بتفسيره المخل لمعنى الكلالة ولفهمه القاصر بالفقه اتهم كل هذه الأجيال بالتآمر على نظام الإرث الاسلامي ، وأورد كثيرا من التفاسير والنماذج والتي يرى أنها تخالفه وفقا لمفهومه واستند على الخلاف في الاجتهاد بين الفقهاء في حين أنه معلوم أن الخلاف في الأمة رحمة وأن الدين الاسلامي يعطي حرية البحث والتفكير لتفسير النصوص بشرط توافر شروط الفقيه العالم في المفسر ، في حين أننا نجده شخصا عاجزا حتى عن التعبير باللغة الصحيحة ، ويقحم نفسه بالتعدي على أعلام الأمة .
وتناول أيضا بالهجوم (الطبري) بأنه أهمل ثلاثة عشر خبرا في التفسير للكلمة وذلك بناء على بحث رجل أمريكي ويتهم الطبري بأنه يحرص على تثبيت التفسير على خط واحد لأنه يلتزم بالمعاني التي يتبناها أهل الاسلام أو أهل القبلة ، ويرى أن هذا الأسلوب هو الذي ثبت (الأرثوذكسية) أي العصبية الاسلامية بإيراده آراء الخوارج وغيرهم ويتابع منهج المستشرقين أمثال "جولد زيهر وجوزيف شاخت وجون بال ..." الذين تخصصوا في نقد التراث الاسلامي ، ويعتقد الكاتب أن إهمال منهاجهم سببه أن هنالك ثمنا كبيرا دفع على حساب المعنى ، ويورد الروايات ذات الصلة بمسألة الكلالة بتفصيل ويخرج بنتيجة أن مسألة الكلالة سكت عنه لكونها أن الكنة سوف تخرج الأموال من عائلة الى عائلة وتحدث خللا في نظام الإرث العربي لصالح الإرث الاسلامي ، وهذا هو سر المقاومة والمعارضة التي منعت سيدنا عمر بن الخطاب أي الشخصية الأساسية التي ركزت عليها الروايات من الكشف عن معناها الحقيقي .
ويخرج من هذا المسألة الى موضوع الوصية في الاسلام ، وأنها قيدت معنى (الوصية الحرة في القرآن وبأن الفقهاء طبقوا عليها شروطها) وسبب هذا الأمر أن هذا الكاتب لايعلم المطلق والمخصص والقيد على الكلام ، ومسألة تخصيص العموم بالحديث أمر شرعي فكأنه ينكر على الفقهاء الاستنباط والربط بين الأحكام ، ويحاول اللعب .
إنني أعتقد أن الكاتب قصد قصدا في إدخال عبارات غريبة وإعطاء معان لا أساس لها في الدراسة تأكيدا لمنهجه في علمنة اللغة العربية وإخراجها من معانيها التي يسميها كلاسيكية لمعاني جديدة حتى يختلف فهم الغرب للاسلام مدعيا تحرير العقل العربي من المعاني والأطر القديمة التي تم وضعه فيها ، وهو جهل فاضح بعلم أصول الفقه الذي لو درى به لعلم أن الأمر ليس متروكا على عواهنه ، فللفهم ضوابط ودلالات للألفاظ جمعت في علم أصول الفقه لايهمنا أن يجيزها الغرب أم لا فنحن أصل العربية ولنا قواعدنا في الفهم ولايعني انكسارنا تكنولوجيا انكسارنا لغويا ودلاليا .
بل يدعي في الصفحة الحادية عشرة : أن الفقهاء لم يكتفوا بــإقامة السياج الدغمائي على النواميس المقدسة ، بل على التقاليد العتيقة السابقة للاسلام .
ان كثيرا من العلمانيين اليوم يحاولون أن يثبتوا أن كثيرا من التشريعات الاسلامية كانت قبل الاسلام مثل الحج والصيام وغيرها رغبة منهم في أن يقولوا أن هذه من عادات العرب فتخرج من الدين وبالتالي تهدم أركان الاسلام كما فعلت بعض الفرق الدينية كالدروز والنصيرية ، وكما قالت بعض الفئات أن المقصود من العبادات هو تنمية الأخلاق ، فاذا حصلت تلغى هذه العبادات .
وتحت عنوان الخروج من السياج الدغمائي المغلق يقارن بين السياج الدغمائي في أوروبا الذي تفتت وانهار من القرن السادس عشر بفضل الصعود المتناهي للحداثة ، وأنه فصل الدين عن السياسة والقانون بالرغم من رفض الكنيسة لسيطرتها على كل ذرى الوجود البشري وأبعاده بما فيها الخلاص الأبدي . كأن هذا الرجل لايعلم أن الأمر وصل بالكنيسة الى حــد اصدار صكوك الغفران واقطاع أراض بالجنة ، ليس هذا فحسب بل أعطوا القساوسة حق المغفرة للناس . اذا كان الأنبياء لايملكون ذلك فكيف جاؤوا بهذا ؟ بل وصل الأمر بالكنيسة أن تمنع تدريس العلوم الطبيعية المحايدة ، وتكفر دارسيها ، ووصلت الى حد استغلال أقوات الناس وتملك الاقطاعيات وغير ذلك من الأمور التى لم ينزل الله بها من سلطان ، ثم يرى أن الطبقة المثقفة (البرجوازية) التي ينبغي أن تقوم بهذا الدور لم تتكون في التاريخ الاسلامي حتى تثور على السياج الدغمائي الاسلامي .
لذلك يرى أن العلماء والفقهاء زادوا من سيطرة السلطات العسكرية والتسلطية ، وأنهم لم يستطيعوا الحصول على استقلالية في الرأي بعيدا عن السلطة السياسية .
فأقول له ماذا فعل ابن حنبل والشافعي وأبوحنيفه والمالكي وغيرهم من العلماء على مختلف العصور ، هل أطاعوا المخلوق في معصية الخالق ؟ وهل حذفوا أو حرفوا هذا المبدأ ؟ لم يحدث هذا حتى ان أكبر حاكم سياسي اليوم في الدول الاسلامية لايستطيع أن يعارض معارضة صريحة نصا ثابتا . ذلك أن المجتمع بأسره لايقبل هذا الأمر ، وليس فقط العلماء .
ثم أين التسلط الديني الذي شابه التسلط الكنيسي ؟ فهل ادعوا حق الغفران أو العصمة أو أكلوا أموال الناس بالباطل وقننوا أكلها كما فعلت الكنيسة ؟ هل وقفوا في وجه حرية العلم المحايد ؟
فالمقارنة لامحل لها . ويعقد الأمل على المثقفين في انتزاع سلطة العلماء التقليديين وذكر كثيرا من الرموز التى حاولت هذا مثل طه حسين وعلي عبدالرازق وأن هذه المحاولات لم تكن بقدر حجم المهمة التاريخية التي ينبغي أن يقوموا بها ، ثم ينكر على بعض المثقفين التنديد بالامبريالية والصهيونية وكرد فعل راحوا يتغنون بالتراث فلا أدري هل كان المفروض أن يتغنوا بالصهيونية والامبريالية أم ماذا ؟ .
ثم يرى أن للسياج الدغمائي أركانا ثلاثة : الله ، والدولة ، والجنس . وأنها بقيت بمنأى عن أي تفحص نقدي جاد فلا أدري ماذا يقصد بنقد الله ؟ ويرى أن الفكر النقدي أصيب بانتكاسة وأن الدنيوية (والتي يسمونها العلمنة خطأ ) بدأت تفقد مواقعها كلها ازاء التعريب واكتساح مواقع جديدة هذا مما دعا بعض الدول لاعادة التعليم باللغة الفرنسية ، وكأن الاسلام يحرم دراسة اللغات الأخرى ، وكأن اللغة العربية سياج مانع من التفكير ومن التطور ، فهل لابد أن ندرس ديننا على يــد المستشرقين حتى نتطور ؟ هل اكتشاف الدين عندما يتسع التعريب وتتفق أذهان الناس على الحقائق الدينية هو الأمر المرهوب اليوم ؟ هل يفسر لنا هذا الاتجاه نحو تعميم العاميه وادخال المصطلحات الغربية مثل الدغمائية والسيمانتيك وغيرها ؟ لعله اتجاه جديد لتدمير اللغة وابعاد أهلها عن الفهم الصحيح . وهل العلم يتناقض مع اللغة العربية والفقه ؟ ، فكيف بنيت حضارة سابقة ؟ أم أنه مكتوب علينا اليوم أن نتبعهم حتى في أديانهم مع أن حاجتنا مقصورة فقط على التكنولوجيا ، وليس على عقائد معينة ولا على عاداتهم ، فهذه الأسباب لاتخلصنا من التخلف ، وتخلفنا يتلخص في ضعف همتنا ، فكيف ننحي باللائمة على ديننا وعلمائنا ؟ والعيب فينا .
ثم يشير في الصفحة التاسعة عشرة : أنه لابد من زحزحة العقائد الراسخة والمسلم بها ، فلا أدري ماهي العقائد التي يرى أن نزحزحها ؟ هل هي أركان الايمان ، أم أركان الاسلام ، أم العبادات ، أم المعاملات ؟ خصوصا أنه ألمح في ذات الصفحة الى أنه يجب دراسة تشكيل القرآن الكريم وتشكيل الشريعة والوحي ، ثم ادعى أن الكتابات المقدسة محرفة ، ثم التعالي على (قدسية الآيات في القرآن) ، ثم مشكلة خلق القرآن فمخلوق هو أم معاد خلقه ، وحقوق المرأة وتربية الطفل : ويعيب على الفكر الاسلامي المتعصب عدم خوضه في هذه المسائل ، فلا أدري ماذا يقصد بتشكيل القرآن وقدسية القرآن ؟ وهل القرآن مخلوق أم معاد خلقه ؟ كأنه لم يكفنا مصيبة المعتزلة في خلق القرآن ، وهذا يأتينا بمصطلح جديد إعادة خلق القرآن وهذه أمور قد انتهت منذ زمن طويل فإذا كان يقصد بـإعادة خلق القرآن (على أحسن فروض احسان الظن به) إعادة فهم القرآن فنحن لانعيد فهم القرآن ولكن نفهم واقعنا وضرورياتنا وحاجياتنا ثم ننظر أين تقع من الأحكام الشرعية ، فالقرآن مفهوم ومن يقول غير ذلك فهو مخطىء .
ولكنني أحذر الأمة الاسلامية والمثقفين من أن الاعتزال بدأ يخرج رأسه على أيدي هؤلاء الفلاسفة والعلمانيين ، وأن عبارة العقل (في الواقع تعني الهوى فالعقل لاينافس الشرع فالعقل عرف الله ورسوله وبالتالي يقتضي الطاعة ولكن مايسمونه عقلا هو الهوى) قد بدأت تعود ، فهؤلاء الأقوام يسيرون بخطى منظمة ، هاجموا الفقهاء أول الأمر ثم رواة الأحاديث ، واليوم بلغ بهم الأمر الى مهاجمة القرآن ذاته .
ومن مظاهر الخلط التي وقع فيها الكاتب والتي يروم من خلالها ترويج الأفكار العلمانية والماسونية تناوله لمعنى كلمتي اسلام ومسلم ، اذ يرى أن ترجمة معنى كلمة اسلام الى
الفرنسية بمعنى الخضوع أو حتى بمعنى الاستسلام ، ويرى أن هذا المعنى ليس صحيحا لأن المؤمن ليس مستسلما أمام الله وانما يشعر بلهفة الحب نحو الله ، لأن الله يرفع الانسان اليه بواسطة الوحي ويثير هذا شعور الاعتراف بالجميل تجاه الخالق ، وبذا يعتبر العلاقة (علاقة طاعة وعشق واعتراف بالجميل) إن مفهوم العرفان بالجميل يوهم التساوي بين الانسان والله ، وعقيدة المسلم أنه عبد لله وليس له من حق على الله بل محض فضل من الله سبحانه وتعالى .
ويرى أن معنى الاسلام الأصلي هو تسليم شيء ما لشخص ما ، وتعني "أن يسلم المرء ذاته بكليتها لله" أو "ايكال كل ذاته لله" هذا تفسيره للاستسلام ثم ينطلق لتفسير يراه هو "تحدى الموت" أي التضحية بالنفس في معركة من أجل الله ..
ويواصل تعريفه في "أن الكلمة أي كلمة اسلام قد ابتدأت منذ اللحظة التي بدأ فيها القرآن يتلقى بعض التحديات والمضامين الشعائرية والتشريعية والمعنوية السيمانتية التي راح الفقهاء يفخمونها ويكثفونها ويصوغونها على هيئة تركيبة عقائدية من الإيمان / واللاإيمان وهذه التركيبة المبلورة على هذا النحو سوف تصبح في مابعد الدين الاسلامي المدعو بالاسلام أيضا ، والفرق بين اسلام ابراهيم الذي أعيد تثبيته من قبل التجربة الدينية لمحمد وبين الاسلام التاريخي للفقهاء المتكلمين" .
لذا ترى الكاتب يعرف كلمة الاسلام تارة طاعة وعشق وتارة تحدي الموت (وتارة مدين)
فهذه السطحية الشديدة والواضحة التي يتعامل فيها مع مفردات اللغات ومعاني كلمات القرآن ، ولايدري أن معجزة الاسلام والقرآن هي اللغة حيث تحدى الله سبحانه وتعالى أهله بها فما بال مثل هذا الكاتب ذي الأغراض والأهواء الذي يستخدم عبارات ما أنزل بها الله من سلطان ، ويود في نفس الوقت أن يعرف ويفسر القرآن ويخوض في معالجات فلسفية مختلفة ليثبت عدم صحة الترجمة بل عدم صحة المعنى - ويحاول الكاتب في سياق المعنى الذى سار فيه - في تعريف كلمة الاسلام أن يغوص في المعنى ليفرق بين اسلام سيدنا ابراهيم وبين الاسلام التاريخي للفقهاء المتكلمين وبين مصطلح أم الكتاب أي الكتاب السماوي ، والنموذج الذي يحتوي عليه كلام الله ثم مصطلح الكتاب ، القرآن ، الذكر ، الفرقان ، أي الكتاب المتجسد والكلام المنقول عن طريق الوحي ، ليصل الى مايصبو اليه في ربط هذه المعاني ومقارنته بنفس الترتيب والتمييز بالديانات الأخرى أعني المسيحية واليهودية حيث يوضح أن المسيح هو كلمة الله المجسدة وأن الانجيل هو الكتاب الذي يعمل به المسيحيون وهنا يفتح بابا خبيثا جدا فاذا كان القرآن منزلا وهو غير مخلوق في مفهوم أهل السنة وفي نفس الوقت عيسى عليه السلام كلمة الله ألقاها إلى مريم العذراء يحاول أن يقود ذهن القارىء إلى إثبات جانب ألوهي لعيسى عليه السلام كما فعلت بعض الفرق الضالة سابقا ، مع أن الله ضرب لنا مثلا بخلق آدم عليه السلام منعا لهذا التأويل فيكون معنى كلمة الله هو مخلوق بكن فيكون .
ويلح ويشدد على هذا التمييز والمقارنة مدعيا أنه يفعل ذلك من أجل تجاوز المماحكات "هكذا يسميها" الجدلية العقيمة بين الأديان الثلاثة - والمتمعن والمتعمق في مثل هذا الجدل الفلسفي العقيم في أمر يتصل بالعقيدة لابد وأن يفطن الى مايرمي اليه الكاتب في افترائه على الاسلام ولمقارنته بالأناجيل المحرفة والمنسوخة ولكي يلج بنا الى مجاهل القول المردود بتوحيد الأديان المبدأ الماسوني المعروف والذي يقوله العلمانيون في هذا الزمان .
لقد وصل الحال بهذا الكاتب في تحليله وعماه وضلاله بأنه لايرى فارقا بين اليهودية والمسيحية والاسلام حينما يقول "ويمكن أن نقيم التمييز نفسه بين المسيح كلمة الله المجسدة وبين الأناجيل أي الحكايات المحفوظة في كتب عادية محسوسة لكلام الله من قبل المسيحيين الذين هم مؤمنون وفاعلون تاريخيون في آن معا" .
- ومن جديد يعود ليؤكد أن أديان التوحيد ثلاثة متغاضياً عن مسألة التثليث أو الثالوث المقدس عند المسيحيين، فيقول : (( أما مسألة الوحى فهى دقيقة جداً وحرجة، خصوصاً لمن يريد دراستها، ضمن المنظورالواسع الذى يتجاوز التعاليم الأرثوذكسية ويجددها، هذه التعاليم المكرورة داخل كل تراث توحيدى بشكل تقوى ورع "المقصود داخل التراث اليهودى والمسيحى والإسلامى".))
- وفى نفس الصفحة أورد عبارة الهبوط من فوق الى تحت فقال : ( لكن لنذكر هنا، بالتصور الإسلامى للوحى. إنه يدعى بالتنزيل : أي الهبوط من فوق الى تحت. وهذا المفهوم يشكل مجازاً مركزياً وأساسياً يشكل النظرة العمودية للإنسان المدعو بدوره للارتفاع الى الله)
أليس هذا نفس المفهوم الذى وجددناه عند " نصر حامد أبوزيد " فى حديثه عن الديالكتيك الصاعد والديالكتيك الهابط ؟ ألا ترى أن هؤلاء أهدافهم متطابقة ويسيرون وفق خطة مدروسة ؟
- وتأتى أم الطوام فى عبارته التالية : (( فإن المسيحيين يعتمدون موقفاً مختلفاً قطعياً بالقياس الى الموقف اليهودى - الإسلامى " الله يوحى للبشر إراداته المقدسة،. فهم يقولون إن يسوع المسيح هو كلمة الله تجلت جسداً. إنه تجسيد الله، وابن الله الذى جاء للسكن بين البشر لكى يوصل اليهم مباشرة الكلمة الإلهية دون أي وساطة من ملاك أو نبى.
وضمن هذا التصور المسيحي نجد أن الأناجيل ليست إلا عبارة عن رواية ما سمعه الحواريون أو تذكروه من تعاليم ابن الله الذى تكلم باسم الأب " أي الله " .))
فهو يعتبر أن تجسد الكلمة فى سيدنا عيسى (تجسيد الإله وابن الإله)، وأن الحواريين كتبوا الأناجيل عن ابن الله الذى تكلم عن أبيه، فهذا هو الوحى فى المسيحية والذى يقارنه الكاتب مع الوحى فى الإسلام فتأمــل !!!
إن سر خطأ هؤلاء هو فى تفسير كلمة (الله) وكما سبق أن قلنا : إن السر هو فى كلمة (كن) إذ يقول عز وجل ( إنما أمره إذ أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون) [يس - 82] وقوله جل شأنه (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون). [آل عمران - 59] .
ويأتى بعد كل هذا ليخلع عليهم صفة التوحيد من جديد، رغم مفهومهم عن نزول عيسى الى الأرض على أنه ابن الله، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً (وقالوا اتخذ الرحمن ولداً . لقد جئتم شيئاً إداً . تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً .) [مريم - 88] .
- ومروراً بما قاله فى الصفحة التالية عن عدم وجود نظرية متكاملة عن المجاز : ((دعونا هنا من الصعوبة الشائكة والمخيفة التى تطرحها مسألة التثليث، التى لا يمكن إعادة النظر فيها بشكل مفيد من قبل المسيحيين واليهود والمسلمين، إلا إذا اتفقنا على المكانة المعنوية للمجاز والرمز ودورهما فى تشكيل المعنى، فنحن لا نمتلك حتى الآن نظرية متكاملة عن المجاز والرمز تتيح لنا أن نفهم المنشأ اللغوى البحت للمعنى وللمكانة الفلسفية للمعنى المتولد بهذه الطريقة.))
هل مسألة التثليث عندهم يمكن أن نعتبرها من المجاز ؟ مع أن الأناجيل عندهم لا تدعى أنها مجاز، فهى تدعى أن عيسى صعد وجلس الى جانب الله . فلماذا نحمل الأمور أكثر مما تحتمل؟ !
- ثم نجده يشير فى نفس الصفحة الى أن القرآن قد استعار آية توراتية فيقول : ((أنظر الآية التوراتية التى استعارها القرآن كما هى " وعلم آدم الأسماء كلها " والتى دُعمت على المستوى اللغوى من قبل كل الفللوجيا الكلاسيكية.))
إن التوراة مازالت تحتوى على بعض الحقائق، فلعلها مما لم يطمس ويحرف فى التوراة. كما أن الاستعارة تكون من شخص لآخر، ولكن الأمر هنا يختلف فالتوراة والقرآن كلاهما صادران عن أصل واحد وهو الله، فأي استعارة هذه التى تعتقد بها ؟ بل وأضف الى معلوماتك قوله تعالى على لسان سيدنا سليمان عليه السلام : (إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم) [النحل - 30] فسواء تطابقت الألفاظ أو تطابق المعنى بين الكتب الثلاث (فيما لم يحرف منها) فهذا أمر بديهي لأن الرسل جميعهم أرسلوا بمبادىء واحدة وحقائق لا تتغير.
- ثم يعود الى الطامة التى ألمحنا إليها فى البداية محاولاً بث التشكيك فى أن مرور الوحى من الحالة الشفهية الى النص المكتوب كان فى ظروف تاريخية يجب التحقق منها، يقول : ((إن الرسالات المنقولة، عبارة عن عبارات شفهية سمعت وحفظت عن ظهر قلب من قبل الحواريين الذين مارسوا دورهم فيما بعد كشهود ناقلين لما سمعوه ورأوه. وفى كل الأحوال فإنه قد حصل مرور من الحالة الشفهية الى حالة النص المكتوب. كما وحصل تثبيت بواسطة الكتابة للرسالة التى تم جمعها ضمن ظروف تاريخية ينبغى أن تتعرض للنقد التاريخي والضبط التاريخى والتحقق التاريخي.))
هل نعلق ديننا بتحقق كهذا أو بغيره ؟ إن تواتر القرآن أمر مجمع عليه، بل لا يوجد شيء فى الدنيا تواتر كتواتر القرآن لفظاً وكتابة وجمعاً، وإذا شئت فلتراجع الكتب التى تحدثت عن الإعجاز العددي فى القرآن لترى هل بمقدور أحد من البشر على الإتيان بآية من مثله.
- بل إنه يصر على التفريق بين المصحف والقرآن، لأن المصحف بنظره والذى نمسكه بأيدينا، يقابل الأناجيل والتوراة بالضبط اذ يقول :
((وهكذا تشكلت النصوص الكبرى : التوراة والأناجيل والمصحف . قلت المصحف ولم أقل القرآن لأنه يدل على الشيء المادى الذى نمسكه بين أيدينا يومياً ولأنه يقابل التوراة والأناجيل بالضبط.))
أي سخف بعد هذا ؟ أين علوم ضبط التوراة ؟ وأين علوم ضبط الأناجيل ؟ أمام العلم المنضبط لعلوم القرآن ، أي مقابلة هذه ؟ فالتناقضات الموجودة فى كتبهم تخلع أية صفة علمية عنهم، فأرنا تناقضاً واحداً فى المصحف، بل وأرنا اختلاف نسخة واحدة عن الأخرى.
- وبعد سفسطة طويلة يصل الى الغاية التى يسعى اليها جميع العلمانيين وهى تجدد الوحى، وإيجاد مفاهيم جديدة للوحى ومعان جديدة له، وذلك كلما ظهرت لغة جديدة وهكذا تصبح المعايير مختلة بين الناس فى الزمن الواحد أو فى الأزمنة المتعاقبة، يقول : (( فإذا ما أخذنا بعين الاعتبار كل التجارب الحاصلة فى مجتمعات الكتاب المقدس والكتب المتفرعة عنه، فإنه يمكننا القول بوجود وحى فى كل مرة تظهر فيها لغة جديدة وتجيء لكى تعدل جذرياً من نظرة الإنسان عن وضعه.))
وأقول : إن هؤلاء الناس لو تعلموا شيئاً من أصول الفقه لأراحوا واستراحوا، فنحن لا نجدد تفسير القرآن، وإنما نقرأ ضرورياتنا وحاجاتنا ونبحث عن عللها ونرى انطباق النصوص الأصلية عليها فالواقع لا يزيد فهمنا لنصوص القرآن.
- وتظهر الماسونية واضحة جلية فى قوله : (( وتحديدنا الخاص عن الوحى يمتاز بأنه يستوعب بوذا وكومفوشيوس والحكماء الأفارقة، وكل الأصوات التى جسدت التجربة الجماعية لفئة بشرية ما من أجل إدخالها فى قدر تاريخى جديد وإغناء التجربة البشرية عن الإلهى. وعلى هذا النحو يمكننا أن نسير باتجاه فكر دينى آخر غير السائد : أقصد باتجاه فكر دينى جديد يتجاوز كل التجارب المعروفة للتقديس " أو للحرام باللغة الاسلامية الكلاسيكية " .))
وهو توحيد بين الأديان وإزالة للفوارق، وأن الوحى شمل تعاليم بوذا وكونفوشيوس والحكماء الأفارقة وتجارب البشر، وتيار فكرى دينى جديد يكون أنبياؤه بالطبع علمانيو اليوم، فالأهداف التى كانت مستورة فى القرن الماضى للماسونية والعلمانية اليوم أصبحت علنية، وهى إزالة الأديان بدعوى التوحيد والتجميع، ونحن نقول لهم : فليحتفظ كل منا بمعتقداته ولنتفق على أمر واحد بسيط وهو رفع الظلم، فقبل أن نتفق على المعتقدات أن نتفق على رفع الظلم، وألا تكيلوا بمكيالين....
إن ما يخيفكم فى الشريعة الإسلامية هو الحدود وقسوتها فكأنه اعتراف منكم بتفشي تلك الموبقات ، بل والرغبة فى إبقاء تلك المظاهر التى حاربتها الحدود من زنا وسرقة وشرب خمر .. وغيرها ، ولم تتبينوا أن الإسلام قدر ظروفها ، وأن هنالك فرق بين الحكم وانطباق شروطه.
لقد جاءت أحكام الشريعة لتصلح المجتمع وتحسٌن الواقع ، بل كانت الغاية السامية من وضع القواعد المنضبطة فى التشريع إنشاء الفرد الصالح انطلاقاً من الواقع المعاش.
وكانت مشروعية الحدود وتطبيقها رهناً بالواقع ، وخير مثال على هذا إيقاف عمر إقامة حد السرقة عام الرمادة. وقد اجتهد العلماء فى تطبيـق تلك الحدود فوضعوا ضوابط وشروطاً لابد أن تنطبق على الجانى حتى يقام عليه الحد ، فحد السرقة لا يقام على السارق إلا بتوافر شروط :
أولها : أن يكون المال المسروق بالغاً لنصاب معين ، فلا يقام الحد على سرقة المال القليل.
ثانيهما : أن يكون المال المسروق محفوظاً فى حرز المثل، فلا يقام الحد على من وجد المال ملقى أمامه دون حصانة.
ثالثهما : أن لا يكون للسارق شبهة تملك فى المال المسروق، كشراكة وإرث ونحوهما.
رابعهما : أن لا يكون السارق مضطراً للمال الذى سرقه ، كشراء طعام أو دواء.
وبعد كل هذا هل يصح لنا أن نتجنٌى على مشروعية الحدود ونقول بأنها تتجاهل مقاصد الشريعة؟
أو هى وثب على الواقع وتجاهل له ؟ وعلاوة على ذلك فالإسلام لم يجٌوز إقامة الحد على مجرد الشك والظن والإتهام بل لابد من الاعتراف وإقامة البينة، ولذلك فقد اشترط فى إقامة حد الزنا شهادة أربعة شهود.
- ويعود الكاتب من جديد لتكرار رفضه لحقيقة حفظ القرآن فى اللوح المحفوظ قبل نزوله منجماً على رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤكداً من جديد أنه نتاج الواقع والثقافة، فيقول : (( إن هذا التصور يجعل النص معطى سابقاً كاملاً مكتملاً فرض على الواقع بقوة إلهية لا قبل للبشر بها. وكان من شأن هذا التصور أن يؤدى إلى عزل النص عن حركة الواقع تدريجياً وذلك بتحويله من نص لغوى دال الى مجرد شيء مقدس، إلى مصحف يستمد قداسته من مجرد وجوده تمثيلاً لأصله القديم الماثل في عالم الأرواح والمثل.))
نشتم فى هذا الكلام أنك تقول بأن القرآن مخلوق، ومصدر اللبس عندك هو نزول القرآن منجماً. وثانياً أنك تنكر علم الله الأزلى القديم ، فكأن الله لا يعلم بالحوادث إلا عند وقوعها وهذا مذهب البدء عند بعض الفرق الضالة .
نعم لقد نزل القرآن لتصحيح الأوضاع حتى تكون مطابقة للحق المراد من الله منذ الأزل، وقد احتوى من المرونة ما يجعله يستوعب المستجدات بكلماته المنضبطة ولذلك استحق التقديس.
وسواء صحت الروايات أن الحروف بقدر جبل قاف أم غيره فنحن نعلم أنه كلام الله وعلمه الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فلو كانت الأمور بعظم حجمها فكيف استوعبت (420) صفحة دستوراً خالداً وظل معيناً لا ينضب للاستنباط حتى يومنا هذا.
- ونجده فى مكان آخر من كتابه يستشهد بنصوص من السيرة النبوية ليثبت الربط بين النص والأحداث أو ما يسميه بجدلية العلاقة بين الواقع والنص. والنص الذي ينقله من السيرة يتحدث عن أهل مكة الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الفتية الذين ذهبوا فى الدهر الأول - وذلك بتحريض من أحبار اليهود، فقال لهم رسول الله : (([أخبركم بما سألتم عنه غداً، ولم يستثن فانصرفوا عنه، فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما يذكرون - خمس عشرة ليلة لا يحدث الله إليه فى ذلك وحياً.]
إن السيرة هنا تطرح سبب النزول وتحدد من ثم مكية الآيات بطريقة أكثر ارتباطاً بالنص من جهة وبالواقع من جهة أخرى، بل تتجاوز ذلك إلى التقليل النابع من الإحساس بجدلية العلاقة بين الواقع والنص. لقد كان تأخر الوحى نوعاً من التأديب لمحمد الذي وعدهم بالرد على جهة القطع والتأكيد فى الغد دون أن يشترط المشيئة الإلهية أو نزول الوحي عليه. لذلك تحرص السيرة على بيان أن نزول الوحي ليس رهناً بإرادة محمد أو رغبته. ولذلك نعجب من تجاهل علماء القرآن لمرويات السيرة سواء فى مجال التفسير أم فى مجال أسباب النزول.))
أما الجواب : فمع احترامنا لكتب السيرة والتاريخ فإنها غير منضبطة.
وإذا كنت قد تجرأت على لفظ اسم محمد مجرداً، وأن الوحي لا ينزل لرغبته فما أتفه تفكيرك حينما ترى أن الوحي ينزل فى جدلية مع الواقع والأحداث، فالأحداث مخلوقة ومحمد سيد المخلوقات. وإن استطرادكم فى جدلية الواقع والنصوص استطراد معلوم بدايته وهى نفي العلم الأزلي عن الله، والهدف هو فتح باب التأويل المنفلت منطلقين من الواقع، معاكسين بذلك رأي الفقهاء الذى ينطلق من الضرورة والحاجة المتفق عليها ويجدون ما ينطبق عليها من العلل فى النصوص.
وأما ما قلته عن تأديب المصطفى صلى الله عليه وسلم وتأنيـبه، فيكفينا شهادة الحق سبحانه وتعالى به : (وإنك لعلى خلق عظيم)، وكان خلقه القرآن وهو يفتخر إذ يقول (أدبنى ربى فأحسن تأديبى) فأنت والله الذى تحتاج الى تأديب، ألا ترى أن الله عز وجل حينما كان يعاتب نبيه فى القرآن كان يتلطف معه ويفتتح العتاب بالعفو والصفح عنه . ألم تسمع ماذا قال له عندما أذن للمنافقين بالتخلف عن غزوة تبوك : (عفا الله عنك لم أذنت لهم) [التوبة - 43] أم عميت بصيرتك ؟ فمن أنت حتى تتكلم عن رسول الله ؟ ولكن يقول الله تعالى : (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) [الحج - 32] فمن أين نأتي لكم بالتقوى وهى لا تباع ولا تشترى ؟.
يكتشف من أول وهلة بأنه ينتهج أسلوب المستشرقين في كتاباته ونقده لمنهج وفكر الاسلام ، حيث يتجه مباشرة الى مقارنة الفكر الاسلامي بالفكرين المسيحي واليهودي ويحاول إبراز طابع تخلف الفكر الاسلامي مقارنة بالفكر المسيحي واليهودي بعد أن تم تجديدهما والتخلص من هيمنة الكنيسة بعد الثورة الصناعية التي اجتاحت أوربا والغرب عموما خاصة بعد الثورة الفرنسية التي أدخلت المفهوم العلماني وفصلت الدين عن الدولة ، وتم تهميش دور الكنيسة .
ومع أن الفكر الاسلامي يختلف أساسا اختلافا جوهريا عن الفكر المسيحي واليهودي خاصة لما شاب الفكرين المسيحي واليهودي من تحريف وإفراغ من محتواهما الحقيقي فإن الكاتب لم يتوان في السير في الخط الاستشراقي لنقد الفكر الاسلامي متهما إياه بالانغلاق والعقائدية والتخلف وعدم التطور والتصلب الصارم ، متجاوزا تناول مسائل الاجتهاد حتى وصل إلى مسائل العقيدة والتحليل لمعنى كلمات على أسس غير عربية .
يتضح ذلك جليا من استخدامه كلمات ومعاني وعبارات غريبة كل الغرابة عن منهج اللغة العربية ويتغاضى عن معجزة الاسلام والقرآن أنه نزل باللغة العربية وأنه تحدى أعداءه بمحاولة الإتيان بمثله أو بجزء يسير منه ، وترى في هذا الكتاب هذا الفيلسوف ينقد الاسلام بعبارات وكلمات يحاول اقحامها على اللغـة العربيـة لتوصيل الفكر والمعنى الذي يريده لقرائه من الغربيين الجاهلين بالاسلام ، في حين أن أي مسلم إذا اطلع على كتبه يكتشف مدى جهله باللغة وأصول الدين ، ويتضح ذلك من عبارات وكلمات مثل (الابستمويجية) والتي تعني في اللغة العربية (المعرفة) ، وكلمة (الدغمائية) وكان يمكن أن يسميها (العقائدية) ، و (السمانتيك) ويقصد بها (الرمزية) ، و (الارثذوكسية) ويقصد بها التصلب الصارم ، ولم يقف عند ذلك الحد باضافة عبارات فرنسية وكنسية ولاتينية ، بل تجاوز ذلك الى اضافة مصطلحات جديدة في اللغة مثل تسمية الاسلاميين (الاسلاماويين) ، وعبارات لاتينية مثل (أوسكلاستكس) ويقصد بها (الفصلى) نسبة الى كلمة Schuol باللغة الانجليزية ، وكلمة (اركلوجيا) ويقصد بها (علم الآثار والبحث العميق) ، و (الفللوجيا) ويقصد بها فقه اللغة أو (فقه النصوص) ، وغيرها من الكلمات والعبارات وهي غابة من المفاهيم والعبارات التي لها مرادفات عربية واضحة كان يمكن استخدامها وتقريب فهم القارىء للكتاب بصورة ميسرة وكأنه يريد إظهار العضلات باستخدام مثل هذه العبارات على حساب اللغة العربية .
ان منهج هذا الفيلسوف وهو أستاذ في جامعة السربون منهج لايختلف كما أشرت عن مناهج الفلاسفة المستشرقين وقام بدراسة التاريخ العربي والاسلامي من مفهوم الفلاسفة المستشرقين وهو يكتب باللغة الفرنسية ويترجم كتبه إلى اللغة العربية وإذا عرف السبب بطل العجب حيث أن الذي لايفكر من داخل الإطار الثقافي للغة لايستطيع أن يتعايش معه ، وجل أخطائه تنطلق من كتابه من الاجتهاد إلى التعدي على العقل والفكر الاسلامي ، ودخل في ورطة معرفية (في كتابه من الاجتهاد إلى نقد العقل الاسلامي) اتهم فيها جميع العرب والمسلمين ابتداء من سيدنا عمر بن الخطاب الى الصحابة الى التابعين الى الفقهاء بالتآمر على التشريع الاسلامي ، واستشهد في ذلك بمسألة الكلالة في علم الميراث ، ويرى بأن هذه المسألة تحاشوا تفسيرها باعتبار أنها كانت ستقلب علم الميراث رأسا على عقب حيث يفسر الكلالة بأنها (الكنة) موضحا جهله الفاضح باللغة وبالفقه على السواء وموجها نقده لموضع فهمه فيه قاصر كل القصور .
والكلالة كما هو وارد في كتب الفقه والتفسير والمعاجم مشتقة من الاكليل وهو الذى يحيط بالرأس من جوانبه والمراد فقها من يرثه من حواشيه لا أصوله ولا فروعه ، أي هو الشخص الذي لا ولد له ولا والد عند الوفاة ، وكلمة كلالة بمعناها هذا البعيد عن المعنى الذى رمى اليه الكاتب لايثنى ولايجمع لأنه مصدر .
هذا الكاتب بتفسيره المخل لمعنى الكلالة ولفهمه القاصر بالفقه اتهم كل هذه الأجيال بالتآمر على نظام الإرث الاسلامي ، وأورد كثيرا من التفاسير والنماذج والتي يرى أنها تخالفه وفقا لمفهومه واستند على الخلاف في الاجتهاد بين الفقهاء في حين أنه معلوم أن الخلاف في الأمة رحمة وأن الدين الاسلامي يعطي حرية البحث والتفكير لتفسير النصوص بشرط توافر شروط الفقيه العالم في المفسر ، في حين أننا نجده شخصا عاجزا حتى عن التعبير باللغة الصحيحة ، ويقحم نفسه بالتعدي على أعلام الأمة .
وتناول أيضا بالهجوم (الطبري) بأنه أهمل ثلاثة عشر خبرا في التفسير للكلمة وذلك بناء على بحث رجل أمريكي ويتهم الطبري بأنه يحرص على تثبيت التفسير على خط واحد لأنه يلتزم بالمعاني التي يتبناها أهل الاسلام أو أهل القبلة ، ويرى أن هذا الأسلوب هو الذي ثبت (الأرثوذكسية) أي العصبية الاسلامية بإيراده آراء الخوارج وغيرهم ويتابع منهج المستشرقين أمثال "جولد زيهر وجوزيف شاخت وجون بال ..." الذين تخصصوا في نقد التراث الاسلامي ، ويعتقد الكاتب أن إهمال منهاجهم سببه أن هنالك ثمنا كبيرا دفع على حساب المعنى ، ويورد الروايات ذات الصلة بمسألة الكلالة بتفصيل ويخرج بنتيجة أن مسألة الكلالة سكت عنه لكونها أن الكنة سوف تخرج الأموال من عائلة الى عائلة وتحدث خللا في نظام الإرث العربي لصالح الإرث الاسلامي ، وهذا هو سر المقاومة والمعارضة التي منعت سيدنا عمر بن الخطاب أي الشخصية الأساسية التي ركزت عليها الروايات من الكشف عن معناها الحقيقي .
ويخرج من هذا المسألة الى موضوع الوصية في الاسلام ، وأنها قيدت معنى (الوصية الحرة في القرآن وبأن الفقهاء طبقوا عليها شروطها) وسبب هذا الأمر أن هذا الكاتب لايعلم المطلق والمخصص والقيد على الكلام ، ومسألة تخصيص العموم بالحديث أمر شرعي فكأنه ينكر على الفقهاء الاستنباط والربط بين الأحكام ، ويحاول اللعب .
إنني أعتقد أن الكاتب قصد قصدا في إدخال عبارات غريبة وإعطاء معان لا أساس لها في الدراسة تأكيدا لمنهجه في علمنة اللغة العربية وإخراجها من معانيها التي يسميها كلاسيكية لمعاني جديدة حتى يختلف فهم الغرب للاسلام مدعيا تحرير العقل العربي من المعاني والأطر القديمة التي تم وضعه فيها ، وهو جهل فاضح بعلم أصول الفقه الذي لو درى به لعلم أن الأمر ليس متروكا على عواهنه ، فللفهم ضوابط ودلالات للألفاظ جمعت في علم أصول الفقه لايهمنا أن يجيزها الغرب أم لا فنحن أصل العربية ولنا قواعدنا في الفهم ولايعني انكسارنا تكنولوجيا انكسارنا لغويا ودلاليا .
بل يدعي في الصفحة الحادية عشرة : أن الفقهاء لم يكتفوا بــإقامة السياج الدغمائي على النواميس المقدسة ، بل على التقاليد العتيقة السابقة للاسلام .
ان كثيرا من العلمانيين اليوم يحاولون أن يثبتوا أن كثيرا من التشريعات الاسلامية كانت قبل الاسلام مثل الحج والصيام وغيرها رغبة منهم في أن يقولوا أن هذه من عادات العرب فتخرج من الدين وبالتالي تهدم أركان الاسلام كما فعلت بعض الفرق الدينية كالدروز والنصيرية ، وكما قالت بعض الفئات أن المقصود من العبادات هو تنمية الأخلاق ، فاذا حصلت تلغى هذه العبادات .
وتحت عنوان الخروج من السياج الدغمائي المغلق يقارن بين السياج الدغمائي في أوروبا الذي تفتت وانهار من القرن السادس عشر بفضل الصعود المتناهي للحداثة ، وأنه فصل الدين عن السياسة والقانون بالرغم من رفض الكنيسة لسيطرتها على كل ذرى الوجود البشري وأبعاده بما فيها الخلاص الأبدي . كأن هذا الرجل لايعلم أن الأمر وصل بالكنيسة الى حــد اصدار صكوك الغفران واقطاع أراض بالجنة ، ليس هذا فحسب بل أعطوا القساوسة حق المغفرة للناس . اذا كان الأنبياء لايملكون ذلك فكيف جاؤوا بهذا ؟ بل وصل الأمر بالكنيسة أن تمنع تدريس العلوم الطبيعية المحايدة ، وتكفر دارسيها ، ووصلت الى حد استغلال أقوات الناس وتملك الاقطاعيات وغير ذلك من الأمور التى لم ينزل الله بها من سلطان ، ثم يرى أن الطبقة المثقفة (البرجوازية) التي ينبغي أن تقوم بهذا الدور لم تتكون في التاريخ الاسلامي حتى تثور على السياج الدغمائي الاسلامي .
لذلك يرى أن العلماء والفقهاء زادوا من سيطرة السلطات العسكرية والتسلطية ، وأنهم لم يستطيعوا الحصول على استقلالية في الرأي بعيدا عن السلطة السياسية .
فأقول له ماذا فعل ابن حنبل والشافعي وأبوحنيفه والمالكي وغيرهم من العلماء على مختلف العصور ، هل أطاعوا المخلوق في معصية الخالق ؟ وهل حذفوا أو حرفوا هذا المبدأ ؟ لم يحدث هذا حتى ان أكبر حاكم سياسي اليوم في الدول الاسلامية لايستطيع أن يعارض معارضة صريحة نصا ثابتا . ذلك أن المجتمع بأسره لايقبل هذا الأمر ، وليس فقط العلماء .
ثم أين التسلط الديني الذي شابه التسلط الكنيسي ؟ فهل ادعوا حق الغفران أو العصمة أو أكلوا أموال الناس بالباطل وقننوا أكلها كما فعلت الكنيسة ؟ هل وقفوا في وجه حرية العلم المحايد ؟
فالمقارنة لامحل لها . ويعقد الأمل على المثقفين في انتزاع سلطة العلماء التقليديين وذكر كثيرا من الرموز التى حاولت هذا مثل طه حسين وعلي عبدالرازق وأن هذه المحاولات لم تكن بقدر حجم المهمة التاريخية التي ينبغي أن يقوموا بها ، ثم ينكر على بعض المثقفين التنديد بالامبريالية والصهيونية وكرد فعل راحوا يتغنون بالتراث فلا أدري هل كان المفروض أن يتغنوا بالصهيونية والامبريالية أم ماذا ؟ .
ثم يرى أن للسياج الدغمائي أركانا ثلاثة : الله ، والدولة ، والجنس . وأنها بقيت بمنأى عن أي تفحص نقدي جاد فلا أدري ماذا يقصد بنقد الله ؟ ويرى أن الفكر النقدي أصيب بانتكاسة وأن الدنيوية (والتي يسمونها العلمنة خطأ ) بدأت تفقد مواقعها كلها ازاء التعريب واكتساح مواقع جديدة هذا مما دعا بعض الدول لاعادة التعليم باللغة الفرنسية ، وكأن الاسلام يحرم دراسة اللغات الأخرى ، وكأن اللغة العربية سياج مانع من التفكير ومن التطور ، فهل لابد أن ندرس ديننا على يــد المستشرقين حتى نتطور ؟ هل اكتشاف الدين عندما يتسع التعريب وتتفق أذهان الناس على الحقائق الدينية هو الأمر المرهوب اليوم ؟ هل يفسر لنا هذا الاتجاه نحو تعميم العاميه وادخال المصطلحات الغربية مثل الدغمائية والسيمانتيك وغيرها ؟ لعله اتجاه جديد لتدمير اللغة وابعاد أهلها عن الفهم الصحيح . وهل العلم يتناقض مع اللغة العربية والفقه ؟ ، فكيف بنيت حضارة سابقة ؟ أم أنه مكتوب علينا اليوم أن نتبعهم حتى في أديانهم مع أن حاجتنا مقصورة فقط على التكنولوجيا ، وليس على عقائد معينة ولا على عاداتهم ، فهذه الأسباب لاتخلصنا من التخلف ، وتخلفنا يتلخص في ضعف همتنا ، فكيف ننحي باللائمة على ديننا وعلمائنا ؟ والعيب فينا .
ثم يشير في الصفحة التاسعة عشرة : أنه لابد من زحزحة العقائد الراسخة والمسلم بها ، فلا أدري ماهي العقائد التي يرى أن نزحزحها ؟ هل هي أركان الايمان ، أم أركان الاسلام ، أم العبادات ، أم المعاملات ؟ خصوصا أنه ألمح في ذات الصفحة الى أنه يجب دراسة تشكيل القرآن الكريم وتشكيل الشريعة والوحي ، ثم ادعى أن الكتابات المقدسة محرفة ، ثم التعالي على (قدسية الآيات في القرآن) ، ثم مشكلة خلق القرآن فمخلوق هو أم معاد خلقه ، وحقوق المرأة وتربية الطفل : ويعيب على الفكر الاسلامي المتعصب عدم خوضه في هذه المسائل ، فلا أدري ماذا يقصد بتشكيل القرآن وقدسية القرآن ؟ وهل القرآن مخلوق أم معاد خلقه ؟ كأنه لم يكفنا مصيبة المعتزلة في خلق القرآن ، وهذا يأتينا بمصطلح جديد إعادة خلق القرآن وهذه أمور قد انتهت منذ زمن طويل فإذا كان يقصد بـإعادة خلق القرآن (على أحسن فروض احسان الظن به) إعادة فهم القرآن فنحن لانعيد فهم القرآن ولكن نفهم واقعنا وضرورياتنا وحاجياتنا ثم ننظر أين تقع من الأحكام الشرعية ، فالقرآن مفهوم ومن يقول غير ذلك فهو مخطىء .
ولكنني أحذر الأمة الاسلامية والمثقفين من أن الاعتزال بدأ يخرج رأسه على أيدي هؤلاء الفلاسفة والعلمانيين ، وأن عبارة العقل (في الواقع تعني الهوى فالعقل لاينافس الشرع فالعقل عرف الله ورسوله وبالتالي يقتضي الطاعة ولكن مايسمونه عقلا هو الهوى) قد بدأت تعود ، فهؤلاء الأقوام يسيرون بخطى منظمة ، هاجموا الفقهاء أول الأمر ثم رواة الأحاديث ، واليوم بلغ بهم الأمر الى مهاجمة القرآن ذاته .
ومن مظاهر الخلط التي وقع فيها الكاتب والتي يروم من خلالها ترويج الأفكار العلمانية والماسونية تناوله لمعنى كلمتي اسلام ومسلم ، اذ يرى أن ترجمة معنى كلمة اسلام الى
الفرنسية بمعنى الخضوع أو حتى بمعنى الاستسلام ، ويرى أن هذا المعنى ليس صحيحا لأن المؤمن ليس مستسلما أمام الله وانما يشعر بلهفة الحب نحو الله ، لأن الله يرفع الانسان اليه بواسطة الوحي ويثير هذا شعور الاعتراف بالجميل تجاه الخالق ، وبذا يعتبر العلاقة (علاقة طاعة وعشق واعتراف بالجميل) إن مفهوم العرفان بالجميل يوهم التساوي بين الانسان والله ، وعقيدة المسلم أنه عبد لله وليس له من حق على الله بل محض فضل من الله سبحانه وتعالى .
ويرى أن معنى الاسلام الأصلي هو تسليم شيء ما لشخص ما ، وتعني "أن يسلم المرء ذاته بكليتها لله" أو "ايكال كل ذاته لله" هذا تفسيره للاستسلام ثم ينطلق لتفسير يراه هو "تحدى الموت" أي التضحية بالنفس في معركة من أجل الله ..
ويواصل تعريفه في "أن الكلمة أي كلمة اسلام قد ابتدأت منذ اللحظة التي بدأ فيها القرآن يتلقى بعض التحديات والمضامين الشعائرية والتشريعية والمعنوية السيمانتية التي راح الفقهاء يفخمونها ويكثفونها ويصوغونها على هيئة تركيبة عقائدية من الإيمان / واللاإيمان وهذه التركيبة المبلورة على هذا النحو سوف تصبح في مابعد الدين الاسلامي المدعو بالاسلام أيضا ، والفرق بين اسلام ابراهيم الذي أعيد تثبيته من قبل التجربة الدينية لمحمد وبين الاسلام التاريخي للفقهاء المتكلمين" .
لذا ترى الكاتب يعرف كلمة الاسلام تارة طاعة وعشق وتارة تحدي الموت (وتارة مدين)
فهذه السطحية الشديدة والواضحة التي يتعامل فيها مع مفردات اللغات ومعاني كلمات القرآن ، ولايدري أن معجزة الاسلام والقرآن هي اللغة حيث تحدى الله سبحانه وتعالى أهله بها فما بال مثل هذا الكاتب ذي الأغراض والأهواء الذي يستخدم عبارات ما أنزل بها الله من سلطان ، ويود في نفس الوقت أن يعرف ويفسر القرآن ويخوض في معالجات فلسفية مختلفة ليثبت عدم صحة الترجمة بل عدم صحة المعنى - ويحاول الكاتب في سياق المعنى الذى سار فيه - في تعريف كلمة الاسلام أن يغوص في المعنى ليفرق بين اسلام سيدنا ابراهيم وبين الاسلام التاريخي للفقهاء المتكلمين وبين مصطلح أم الكتاب أي الكتاب السماوي ، والنموذج الذي يحتوي عليه كلام الله ثم مصطلح الكتاب ، القرآن ، الذكر ، الفرقان ، أي الكتاب المتجسد والكلام المنقول عن طريق الوحي ، ليصل الى مايصبو اليه في ربط هذه المعاني ومقارنته بنفس الترتيب والتمييز بالديانات الأخرى أعني المسيحية واليهودية حيث يوضح أن المسيح هو كلمة الله المجسدة وأن الانجيل هو الكتاب الذي يعمل به المسيحيون وهنا يفتح بابا خبيثا جدا فاذا كان القرآن منزلا وهو غير مخلوق في مفهوم أهل السنة وفي نفس الوقت عيسى عليه السلام كلمة الله ألقاها إلى مريم العذراء يحاول أن يقود ذهن القارىء إلى إثبات جانب ألوهي لعيسى عليه السلام كما فعلت بعض الفرق الضالة سابقا ، مع أن الله ضرب لنا مثلا بخلق آدم عليه السلام منعا لهذا التأويل فيكون معنى كلمة الله هو مخلوق بكن فيكون .
ويلح ويشدد على هذا التمييز والمقارنة مدعيا أنه يفعل ذلك من أجل تجاوز المماحكات "هكذا يسميها" الجدلية العقيمة بين الأديان الثلاثة - والمتمعن والمتعمق في مثل هذا الجدل الفلسفي العقيم في أمر يتصل بالعقيدة لابد وأن يفطن الى مايرمي اليه الكاتب في افترائه على الاسلام ولمقارنته بالأناجيل المحرفة والمنسوخة ولكي يلج بنا الى مجاهل القول المردود بتوحيد الأديان المبدأ الماسوني المعروف والذي يقوله العلمانيون في هذا الزمان .
لقد وصل الحال بهذا الكاتب في تحليله وعماه وضلاله بأنه لايرى فارقا بين اليهودية والمسيحية والاسلام حينما يقول "ويمكن أن نقيم التمييز نفسه بين المسيح كلمة الله المجسدة وبين الأناجيل أي الحكايات المحفوظة في كتب عادية محسوسة لكلام الله من قبل المسيحيين الذين هم مؤمنون وفاعلون تاريخيون في آن معا" .
- ومن جديد يعود ليؤكد أن أديان التوحيد ثلاثة متغاضياً عن مسألة التثليث أو الثالوث المقدس عند المسيحيين، فيقول : (( أما مسألة الوحى فهى دقيقة جداً وحرجة، خصوصاً لمن يريد دراستها، ضمن المنظورالواسع الذى يتجاوز التعاليم الأرثوذكسية ويجددها، هذه التعاليم المكرورة داخل كل تراث توحيدى بشكل تقوى ورع "المقصود داخل التراث اليهودى والمسيحى والإسلامى".))
- وفى نفس الصفحة أورد عبارة الهبوط من فوق الى تحت فقال : ( لكن لنذكر هنا، بالتصور الإسلامى للوحى. إنه يدعى بالتنزيل : أي الهبوط من فوق الى تحت. وهذا المفهوم يشكل مجازاً مركزياً وأساسياً يشكل النظرة العمودية للإنسان المدعو بدوره للارتفاع الى الله)
أليس هذا نفس المفهوم الذى وجددناه عند " نصر حامد أبوزيد " فى حديثه عن الديالكتيك الصاعد والديالكتيك الهابط ؟ ألا ترى أن هؤلاء أهدافهم متطابقة ويسيرون وفق خطة مدروسة ؟
- وتأتى أم الطوام فى عبارته التالية : (( فإن المسيحيين يعتمدون موقفاً مختلفاً قطعياً بالقياس الى الموقف اليهودى - الإسلامى " الله يوحى للبشر إراداته المقدسة،. فهم يقولون إن يسوع المسيح هو كلمة الله تجلت جسداً. إنه تجسيد الله، وابن الله الذى جاء للسكن بين البشر لكى يوصل اليهم مباشرة الكلمة الإلهية دون أي وساطة من ملاك أو نبى.
وضمن هذا التصور المسيحي نجد أن الأناجيل ليست إلا عبارة عن رواية ما سمعه الحواريون أو تذكروه من تعاليم ابن الله الذى تكلم باسم الأب " أي الله " .))
فهو يعتبر أن تجسد الكلمة فى سيدنا عيسى (تجسيد الإله وابن الإله)، وأن الحواريين كتبوا الأناجيل عن ابن الله الذى تكلم عن أبيه، فهذا هو الوحى فى المسيحية والذى يقارنه الكاتب مع الوحى فى الإسلام فتأمــل !!!
إن سر خطأ هؤلاء هو فى تفسير كلمة (الله) وكما سبق أن قلنا : إن السر هو فى كلمة (كن) إذ يقول عز وجل ( إنما أمره إذ أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون) [يس - 82] وقوله جل شأنه (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون). [آل عمران - 59] .
ويأتى بعد كل هذا ليخلع عليهم صفة التوحيد من جديد، رغم مفهومهم عن نزول عيسى الى الأرض على أنه ابن الله، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً (وقالوا اتخذ الرحمن ولداً . لقد جئتم شيئاً إداً . تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً .) [مريم - 88] .
- ومروراً بما قاله فى الصفحة التالية عن عدم وجود نظرية متكاملة عن المجاز : ((دعونا هنا من الصعوبة الشائكة والمخيفة التى تطرحها مسألة التثليث، التى لا يمكن إعادة النظر فيها بشكل مفيد من قبل المسيحيين واليهود والمسلمين، إلا إذا اتفقنا على المكانة المعنوية للمجاز والرمز ودورهما فى تشكيل المعنى، فنحن لا نمتلك حتى الآن نظرية متكاملة عن المجاز والرمز تتيح لنا أن نفهم المنشأ اللغوى البحت للمعنى وللمكانة الفلسفية للمعنى المتولد بهذه الطريقة.))
هل مسألة التثليث عندهم يمكن أن نعتبرها من المجاز ؟ مع أن الأناجيل عندهم لا تدعى أنها مجاز، فهى تدعى أن عيسى صعد وجلس الى جانب الله . فلماذا نحمل الأمور أكثر مما تحتمل؟ !
- ثم نجده يشير فى نفس الصفحة الى أن القرآن قد استعار آية توراتية فيقول : ((أنظر الآية التوراتية التى استعارها القرآن كما هى " وعلم آدم الأسماء كلها " والتى دُعمت على المستوى اللغوى من قبل كل الفللوجيا الكلاسيكية.))
إن التوراة مازالت تحتوى على بعض الحقائق، فلعلها مما لم يطمس ويحرف فى التوراة. كما أن الاستعارة تكون من شخص لآخر، ولكن الأمر هنا يختلف فالتوراة والقرآن كلاهما صادران عن أصل واحد وهو الله، فأي استعارة هذه التى تعتقد بها ؟ بل وأضف الى معلوماتك قوله تعالى على لسان سيدنا سليمان عليه السلام : (إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم) [النحل - 30] فسواء تطابقت الألفاظ أو تطابق المعنى بين الكتب الثلاث (فيما لم يحرف منها) فهذا أمر بديهي لأن الرسل جميعهم أرسلوا بمبادىء واحدة وحقائق لا تتغير.
- ثم يعود الى الطامة التى ألمحنا إليها فى البداية محاولاً بث التشكيك فى أن مرور الوحى من الحالة الشفهية الى النص المكتوب كان فى ظروف تاريخية يجب التحقق منها، يقول : ((إن الرسالات المنقولة، عبارة عن عبارات شفهية سمعت وحفظت عن ظهر قلب من قبل الحواريين الذين مارسوا دورهم فيما بعد كشهود ناقلين لما سمعوه ورأوه. وفى كل الأحوال فإنه قد حصل مرور من الحالة الشفهية الى حالة النص المكتوب. كما وحصل تثبيت بواسطة الكتابة للرسالة التى تم جمعها ضمن ظروف تاريخية ينبغى أن تتعرض للنقد التاريخي والضبط التاريخى والتحقق التاريخي.))
هل نعلق ديننا بتحقق كهذا أو بغيره ؟ إن تواتر القرآن أمر مجمع عليه، بل لا يوجد شيء فى الدنيا تواتر كتواتر القرآن لفظاً وكتابة وجمعاً، وإذا شئت فلتراجع الكتب التى تحدثت عن الإعجاز العددي فى القرآن لترى هل بمقدور أحد من البشر على الإتيان بآية من مثله.
- بل إنه يصر على التفريق بين المصحف والقرآن، لأن المصحف بنظره والذى نمسكه بأيدينا، يقابل الأناجيل والتوراة بالضبط اذ يقول :
((وهكذا تشكلت النصوص الكبرى : التوراة والأناجيل والمصحف . قلت المصحف ولم أقل القرآن لأنه يدل على الشيء المادى الذى نمسكه بين أيدينا يومياً ولأنه يقابل التوراة والأناجيل بالضبط.))
أي سخف بعد هذا ؟ أين علوم ضبط التوراة ؟ وأين علوم ضبط الأناجيل ؟ أمام العلم المنضبط لعلوم القرآن ، أي مقابلة هذه ؟ فالتناقضات الموجودة فى كتبهم تخلع أية صفة علمية عنهم، فأرنا تناقضاً واحداً فى المصحف، بل وأرنا اختلاف نسخة واحدة عن الأخرى.
- وبعد سفسطة طويلة يصل الى الغاية التى يسعى اليها جميع العلمانيين وهى تجدد الوحى، وإيجاد مفاهيم جديدة للوحى ومعان جديدة له، وذلك كلما ظهرت لغة جديدة وهكذا تصبح المعايير مختلة بين الناس فى الزمن الواحد أو فى الأزمنة المتعاقبة، يقول : (( فإذا ما أخذنا بعين الاعتبار كل التجارب الحاصلة فى مجتمعات الكتاب المقدس والكتب المتفرعة عنه، فإنه يمكننا القول بوجود وحى فى كل مرة تظهر فيها لغة جديدة وتجيء لكى تعدل جذرياً من نظرة الإنسان عن وضعه.))
وأقول : إن هؤلاء الناس لو تعلموا شيئاً من أصول الفقه لأراحوا واستراحوا، فنحن لا نجدد تفسير القرآن، وإنما نقرأ ضرورياتنا وحاجاتنا ونبحث عن عللها ونرى انطباق النصوص الأصلية عليها فالواقع لا يزيد فهمنا لنصوص القرآن.
- وتظهر الماسونية واضحة جلية فى قوله : (( وتحديدنا الخاص عن الوحى يمتاز بأنه يستوعب بوذا وكومفوشيوس والحكماء الأفارقة، وكل الأصوات التى جسدت التجربة الجماعية لفئة بشرية ما من أجل إدخالها فى قدر تاريخى جديد وإغناء التجربة البشرية عن الإلهى. وعلى هذا النحو يمكننا أن نسير باتجاه فكر دينى آخر غير السائد : أقصد باتجاه فكر دينى جديد يتجاوز كل التجارب المعروفة للتقديس " أو للحرام باللغة الاسلامية الكلاسيكية " .))
وهو توحيد بين الأديان وإزالة للفوارق، وأن الوحى شمل تعاليم بوذا وكونفوشيوس والحكماء الأفارقة وتجارب البشر، وتيار فكرى دينى جديد يكون أنبياؤه بالطبع علمانيو اليوم، فالأهداف التى كانت مستورة فى القرن الماضى للماسونية والعلمانية اليوم أصبحت علنية، وهى إزالة الأديان بدعوى التوحيد والتجميع، ونحن نقول لهم : فليحتفظ كل منا بمعتقداته ولنتفق على أمر واحد بسيط وهو رفع الظلم، فقبل أن نتفق على المعتقدات أن نتفق على رفع الظلم، وألا تكيلوا بمكيالين....
- وليؤكد مبدأ الانسلاخ حاول تفسيره بمفهوم الخيال فقال :
(( إن تفسير النبوة اعتماداً على مفهوم "الخيال" معناه أن ذلك الانتقال من عالم البشر الى عالم الملائكة انتقال يتم من خلال فاعلية المخيلة الإنسانية التى تكون فى الأنبياء أقوى منها عند من سواهم من البشر. إذا كانت فاعلية "الخيال" عند البشر العاديين لا تتبدى إلا فى حالة النوم وسكون الحواس فإن الأنبياء والشعراء والعارفين قادرون على استخدام المخيلة فى اليقظة والنوم على السواء.))
إن هذا الكلام غير صحيح لأن النبى لا يتخيل ومصدر علمه يختلف عن المخيلة، وقد نفى الله ذلك بنفى الشعر عن الرسول صلى الله عليه وسلم الذى لم يتكلم فى الوجدانيات ولم يقل شعراً قط. فالوحى يخاطب العقل ودليل ذلك قوله تعالى : ( أفلا يتدبرون القرآن)؟
أما النبى فبخلاف ذلك، فهو مصيب دائماً لا يقول إلا الحق، ويقول ويفعل.
- ويقدم لنا تفسيرا آخر لظاهرة النبوة اعتمادا على الرؤيا :
((إن فهم ظاهرة "الرؤيا" على أساس أنها حالة اتصال بين النفس والعالم الروحانى كان من شأنه أن يدعم الأساس النظري لظاهرة النبوة. وفى ظل هذا التصور لا تكون النبوة ظاهرة فوقية مفارقة، بل تصبح ظاهرة قابلة للفهم والاستيعاب. ويمكن أن يفهم "الانسلاخ" أو "الانخلاع" فى ظل هذا التصور على أساس أنه تجربة خاصة، أو حالة من حالات الفعالية الخلاقة.))
ونقول إن (الرؤيا) - التى بنيت نتيجتك على أساسها - هى غير منضبطة إذ لا يمكن قياسها بين الجميع، فهناك رؤيا مصدرها التقاء الأرواح عند نومها كما جاء فى تفسير على ابن أبى طالب رضى الله عنه والنفوس الطيبة تتذكر منها شيئاً عند اليقظة.
وهناك تفاوت فى الرؤى، فبعضها يأتى كفلق الصبح وبعضها يأتى مرموزاً وبعضها يبقى أضغاث أحلام منشؤها العقل الباطن والاضطرابات النفسية والتشهي. وهو ما تخصص به علماء تفسير الأحلام وهو علم لا يعتبر من العلوم العامة، كما أن بعض الرؤى تكون من الشيطان.
وليس المطلوب منهم أكثر من ذلك فيما يخص من بعدهم ، أما اجتهادهم وتفهمهم للنصوص فكان ملائما لمتقتضيات عصرهم في تمثل روح الشريعة .
ويرجع سبب تقوقع حركة الثقافة العربية الى سيطرة العناصر غير العربية على مقاليد الأمور ، يقول :
- (واذا كان من الصعب هنا أن نتتبع بدقة ذلك التحول الوظيفي الذي لحق بالنص الديني في حركة الثقافة العربية ، فاننا نكتفي بالاشارة الى سيطرة العناصر غير العربية على حركة الواقع العربي الاسلامي ، لقد كانت هذه السيطرة للعسكر بكل مايمثلون من استناد الى القوة وحدها كفيلة بالقضاء على حركة التفاعل الحية النشطة بين النصوص والواقع) .
نعم لقد سيطر العسكر من سلاجقة وديلم ومماليك ولكن علىأي أساس ؟
لقد سيطروا بنفس الدين واللغة والنص ، بل ان سيطرة الدولة العثمانية على العالم الاسلامي كانت احياء لحركة الثقافة الاسلامية بعد مرحلة جمود ، ولذلك لايمكننا أن ننكر أن لهذه العناصر المسيطرة دورا فعالا في نشاط حركة التأليف في تلك المرحلة الزمنية .
" المقالة الأولى "
فهل حددوا الضروريات والحاجيات وعرضوها على القادرين على الاستنباط الفقهي وعجز العلماء حتى يعبثوا كل هذا العبث ؟
ثم يتحدث عن الأثر الأدبي للقرآن فيقول :
- (ان البحث عن مفهوم النص هو بحث يتناول القرآن من حيث هو : كتاب العربية الأكبر ،
وأثره الأدبي الخالد ، وهذا الدرس الأدبي للقرآن هو مانعتده مقصدا أول وغرضا أبعد يجب أن يسبق كل غرض ويتقدم كل مقصد . ثم لكل ذي غرض أو صاحب مقصد بعد الوفاء بهذا الدرس الأدبي أن يعمد الى ذلك الكتاب فيأخذ منه مايشاء ويقتبس منه مايريد ويرجع اليه فيما أحب من تشريع أو إعتقاد أو أخلاق ... وليس شيء من هذه الأغراض الثانية يتحقق على وجهه الا حين يعتمد على تلك الدراسة الأدبية لكتاب العربية الأوحد .)
هل كان الهدف من تنزيل القرآن : الاعجاز الأدبي الخالد ؟ وهل أخذ التشريع والعقيدة من القرآن أمر ثانوي وغرض ثان ؟ وهل الأمر متروك للأهواء حتى يأخذ منه من يريد ومن يحب ؟ ومن ناحية ثانية : اذا كان القرآن كتاب أدب فكيف يصبح مؤسسا للحضارة ؟ .
ويصف موقف الكتب الحديثة في علوم القرآن وعلوم الحديث بقوله :
- (ان موقف الخطاب الديني المعاصر من "علوم القرآن" ومن "علوم الحديث" هو موقف الترديد والتكرار ، فالغاية عندهم تسهيل الكتب القديمة بسلبها كل ميزاتها طلبا للكسب والشهرة .
| < السابق | التالي > |
|---|







