• عدد الزيارات:

ارتباط علم المنطق بعلم الكلام

أما ارتباط علم المنطق بعلم الكلام، فهو أبين من أن يجادَل فيه، ولكن سوف أذكر أمثلة تبين المقصود.

فالمعروف أن علم الكلام هو علم الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة القطعية. وأما علم المنطق فهو العلم بمجموعة القوانين التي إذا راعاها الإنسان في فكره سلم من الغلط في الوصول إلى النتائج. وما دام الأمر كذلك، فإن العلاقة تكون وثيقة بين العلمين. لأن الكلام يبحث في العقائد الإيمانية، ويتم فيه الرد على المخالفين لعقائد أهل الحق من أهل السنة. والنـزاع فيه مع قسمين من الناس.


القسم الأول: هم طوائف المنتسبين إلى الإسلام، فلهم حكم الإسلام على سبيل الإجمال، كالمعتزلة والشيعة والإباضية والزيدية وغيرهم من الفرق الإسلامية.


والقسم الثاني: هم الطوائف التي تخالف الدين الإسلامي وهؤلاء نوعان:


النوع الأول: هم أهل الأديان من النصارى واليهود وغيرهم.

النوع الثاني: هم طوائف الملاحدة والمتشككين والعلمانيين وغيرهم من أصحاب الفلسفات الوضعية العديدة. وهؤلاء يجمعهم رابط مشترك أنهم لا يؤمنون بأيٍّ من الأديان المنـزلة.

ففي علم الكلام يتم الإتيان بالبراهين القطعية لسائر أهل هذه الفرق والطوائف على سلامة العقائد الدينية من الغلط وسلامتها من مخالفة الواقع أو الأمر في نفسه. وإذا علمنا نحن أن علم المنطق يهتم في أصل مسائله بتحرير طرق الفكر الصحيحة وبيان غير الصحيحة منها،فإننا نعلم بسهولة أن هذا العلم له مدخلية كبيرة في علم الكلام. فالمتكلم ينبغي أن يكون له اطلاع على هذا العلم.

وذلك أن كل هذه الطوائف مخالفة للحق في نفسه، ومخالفة في تقريرها ووصفها للواقع.

فالنصارى مثلا يقولون: إن الله تعالى ثالث ثلاثة.

واليهود يقولون إن النسخ مستحيل عقلا، وكثير منهم يقول بالتشبيه وبغير ذلك من الأمور التي لا تستند إلى دليل.

وأما العلمانيون فلهم مذاهب وطرق عديدة، فمنهم من يقول إن الإله أصلا غير موجود، إلا كفكرة في أذهان الناس، وأن هذه الفكرة ليس لها أمر تصدق عليه في نفس الخارج. وأن الأديان إنما هي مجموعة من الأفكار المبنية على الخيال البشري نتيجة لقصور معارفهم ونقصان حيلتهم أمام الطبيعة وأسرار الوجود. ومنهم من يقول إن الإله يمكن أن نسلم بوجوده في الذهن ويمكن كذلك أن نسلم بفائدة لهذا الوجود، ولكن لا يجوز مطلقا أن نعتقد أن الإله له تحقق في الخارج عن الذهن، وهؤلاء هم البراغماتيون النفعيون، وفلسفتهم خادعة ويمشي عليها غالب المثقفين في هذه الأيام، بل إن كثيرا من الدول تتبنى هذه الفلسفة كنظام أساسي تسير عليه، وينخدع الكثير من المسلمين بهذه الفلسفة، بل إن منهم من لم يعرف مدى خطورتها فادعى أن الإسلام يمكن أن يتبناها ويسير عليها، غافلا عن حقيقتها التي بينتها آنِفاً.

وكثير من الناس الذين يحسبون في أنفسهم بعضا من العلوم والمعارف يعتقدون بمثل هذه الأفكار، وعنها ينشأ تيار كبير سائد في هذا الزمان هو التيار العلمانيّ بشتى صُوَرِهِ وفُرُوعه التي ليس هذا المحل الملائم للتفصيل في بيانها.

ومن هذه الطوائف أيضا من يقول إن العالم قديم بمادته، متغير بصورته، وأن التغيرات التي تحدث في العالم هي تغيرات ذاتية، فالمحرك والموجد لهذه الحركات إنما هي قوانين داخلية يتصف بها العالم، وهي عبارة عن تناقضاته الداخلية، فيدَّعون أن المادة فيها تناقضات داخلية هي من صُلب وجودها، وأساس ثبوتها، وأنه عن طريق هذه التناقضات، تحصل الحركة التصاعدية والتطور الدائم للصور التي يتصور بها العالم وما فيه من الموجودات الجزئية، ويتكلمون في أثناء ذلك عن أمور كثيرة يسمونها بالقوانين المادية للوجود، وأن العالم يتكامل تكاملا ذاتيا، أي إن سعيه للتكامل إنما هو أمر ذاتي له، ولا يحتاج في ذلك إلى محرك له من خارجه، فلا يحتاج العالم إلى الإله لكي يحركه، لأن حركته ذاتية، ولأن هذا الإله لا يمكن وجوده، لأنه لا وجود إلا للمادة، أي للموجودات في نطاق الزمان والمكان. إلى غير ذلك مما يتفوهون به من مفاسد، وهؤلاء هم الماديون خصوصا الجدليون، وهم الشيوعيون.

ويوجد بعض الفلاسفة والمفكرين يقولون إن الإله ليس أمرا في الحقيقة إلا نفس العالم، وهم القائلون بوحدة الوجود المادية أو الروحية، فيقولون إن العالم هو الإله، أو الإله هو العالم.

وأنواع هذه الفرق أكثر من أن أحصيها هنا، وإنما أردت مجرد التمثيل لها. فهؤلاء كلهم يزعمون أنهم ينظرون في العالم نظرا مجردا عن الأهواء وينسبون لأنفسهم النظر الموضوعي المجرد عن الأغراض والدوافع، ويتَحَدُّون غيرَهم أن يثبتوا غلطهم فيما يدعون. وهم لا يؤمنون إلا بالأفكار العقلية المجردة، كما يدعون. وهؤلاء لا يرون في الأديان حجة، ولا أهمية لها عندهم، إلا كأهمية غيرها من النظرات الإنسانية التي قد تؤثر في تحريك البشر والتأثير على تصرفاتهم، فهم إنما يهتمون بها من هذه الناحية العملية المطلقة، أما أن تكون الأديان مصدرا للمعرفة ولو في أي مستوى من مستويات المعرفة، فلا.

ومن معرفتك لحقيقة أقوالهم، فإنك تعرف أن هؤلاء لا يمكن مخاطبتهم إلا بالأدلة العقلية المجردة، وهي عين الأدلة التي يدَّعون الانتساب إليها، ونحن نعرف أن هذا الادعاء عارٍ عن الدليل البرهاني الحقيقي، فلا نسلمه لهم على إطلاقه، وإنما هذه الأدلة المزعومة قائمة على مغالطات بعضها مقصود وبعضها تلبسوا به بالعَرَضِ.

ومن كان هذا شأنه، فالطريقة الصحيحة لمناقشته وبيان غلطه فيما ادعاه إنما تكون بالأدلة وطرق النظر العامة التي يشترك فيها كافة البشر، ولا يستطيع أحد أن يغالط فيها، وهذه هي حقيقة القوانين المنطقية، أي القوانين التي يشرحها علماء المنطق في كتبهم. ولا يستطيع أحد من المغالطين أن يدعي أننا إنما يجب أن نناقشهم بالأدلة والنصوص المأخوذة من الكتاب والسنة، بقيد استنادها إلى الكتاب والسنة. فإن من يقول بهذا المذهب يكون ضحكة الأولين والمتأخرين من العقلاء، ويكون أيضا قد خالف ما قرره الدين الحق نفسه، فقد قال الله تعالى (وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين) النحل(125)، فالحكمة يناسب تفسيرها بالبراهين والحجج القوية، وأما الموعظة الحسنة فيناسب أن تحمل على الطرق الخطابية اللائقة بعوام الناس، وقوله تعالى (وجادلهم..) صريح في الطريقة الجدلية اللائقة لبعض الناس.

وأنت ترى أن كلا من هذه الطرق الثلاثة هي إحدى الطرق التي ذكرها أهل المنطق في كتبهم، فإنهم يذكرون أن القياس المؤلف من القضايا اليقينية يسمى برهانا، وذكروا أن القياس المؤلف من القضايا المشهورة والمسلمات يسمى جدلا، وأن القياس المؤلف من المقبولات والمظنونات يسمى خطابة، وقد يدخل فيه أيضا القياس المؤلف من قضايا مخيلة والمسماة قياسا شعريا، لمخاطبته العواطف لتحصيل انفعال النفس والتأثر. فأنت ترى أن نفس المراتب الثلاثة التي نصت عليها الآية الكريمة قد ذكرها أهل المنطق، ولذلك نقل العلامة السبزواري ناقلا عن العلامة الشيرازي في شرح حكمة الإشراق قوله:

"ومن طلب العلوم التي لا يُؤْمَنُ فيها الغلط ولا يَعْلَم المنطق، فهو كحاطب ليل، وكرامد العين لا يقدر على النظر إلى الضوء لا لبخل من الموجد، بل لنقصان الاستعداد، والصواب الذي يصدر من غير المنطقي كرمية من غير رام، وكمداواة عجوز".

ثم قال: "والمنطق يصلح لأبناء الملوك الذين يتوقع منهم أن يصيروا ملوكا، لا ليعلموا الاقترانات الشرطية ولوازم المتصلات والمنفصلات، بل ليعرفوا الصناعات الخمس، ويقدروا على مخاطبة كل صنف من الناس بما يليق بحالهم، على ما قال (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) فالحكمة لمن يطيق البرهان، والموعظة الحسنة لمن لا يطيقه، والجدل للمقاومة لمن ينتصب للمعاندة"اهـ.

والحقيقة أن الأدلة على ذلك من القرآن أكثر من أن تحصى، ولا ينكر ذلك إلا معاند، أو متلبس ببدعة يخاف أن يظهر بطلانها إذا عرضت على محك النظر.

والذي أريد أن أبينه الآن، هو بعض الأمثلة التي تبين مدى الفائدة التي يجنيها العارف بعلم المنطق في حلِّ بعض الإشكالات المتعلقة بعلم التوحيد وطرق الاستدلال في الفلسفة العامة.


مع ابن تيمية

الحقيقة أن الأمثلة التي يمكن أن نوردها من كلام ابن تيمية على المغالطات المنطقية التي وقع فيها، كثيرة جدا، ونحن سوف نخصص كتابا مستقلا لهذا الأمر لأهميته. وأما الآن فسوف نقتصر على مثال واحد فقط، وليس قصدنا فيه هو الرد على ابن تيمية فقط، بل قصدنا أصالةً هو بيان أهمية التفكير المنطقي الصحيح، وبالعَرَضِ الردُّ على ابن تيمية في ما قاله.

سنورد هنا نَصَّيْنِ لابن تيمية يوضح فيهما طريقته في الاستدلال على الأمور العقائدية، وسنعلق عليهما باستعمال قواعد علم المنطق، ولكن بشكل ميسَّر وذلك تقريبا لفهمها لدى القراء غير المتمكنين من قواعد علم المنطق.

النص الأول: ألف ابن تيمية رسالة خاصة بين فيها القواعد التي يمكن استعمالها في النظر في صفات الله تعالى، أي الأدلة التي يمكن اتباعها في هذا الموضوع، وهذه الرسالة هي"تفصيل الإجمال فيما يجب من صفات الكمال، والفصل فيما اتفق عليه وما اختلف فيه أهل الملل والنحل والمذاهب منها باختلاف الدلائل العقلية والنقلية فيها". وقد عرض ابن تيمية بعض طرق الاستدلال على صفات الله تعالى، التي يرتضيها هو وطائفته الذين يسميهم بأهل الإثبات، وهؤلاء المثبتة في الحقيقة هم عين المجسمة، فلا تتوهم أيها القارئ أن المراد بهم أهل السنة.


قال في هذه الرسالة:

"فيقول لهم أهل الإثبات: هذا باطل من وجوه أحدها: أن يقال: الموجودات نوعان، نوع يقبل الاتصاف بالكمال كالحي ونوع لا يقبله كالجماد، ومعلوم أن القابل للاتصاف بصفات الكمال أكمل مما لا يقبل ذلك، وحينئذ فالرب إن لم يقبل الاتصاف بصفات الكمال لزم انتفاء اتصافه بها." اهـ

أقول: هذا الكلام إلى هذا الحد، يمكن أن يقبل، لأنه يتكلم عن مطلق الموجود، ومعلوم بالبداهة أن الموصوف بالكمال أكمل من غير الموصوف بذلك. هذا الكلام لا يمكن أن يخالفه أحد.

فحاصل القضية أن تقول: الاتصاف بالكمال المحض، أكمل من عدم ذلك. يعني: "أن كل كمال محض فالموصوف به أكمل من غيره". هذا هو حاصل القضية التي لا نخالف ابنَ تيمية فيها. ولكن ينبغي أن ندقق بشكل أكبر في مفهوم الكمال المحض الذي ذكرناه، فمقصودنا بالكمال المحض أي الذي يعتبر كمالا بالنظر لأصل الوجود، لا بالنظر لأصل الموجود. فمعلومٌ أن الوجود هو عبارة عن مفهوم ذهني، وهذا المفهوم لا يساوي الموجود، إلا عند من يقول بأن الوجود هو عين الموجود، وحتى هذا، فإنه لا يمنع أن يطلق الوجود على المعنى الإضافي أو الاعتباري المقول على كثيرين بالتواطؤ. وعلى ذلك فإن كل ما حكم العقل بأنه كمال لأصل الوجود، فيلزم أن كل ما اتصف به من الموجودات أكمل مما لم يتصف به. ولكن هذا لا يلزم إذا حكم العقل أن الأمر المعين إنما هو كمال لموجود بعينه أو لجنس أو نوع من الموجودات. الزواج لجنس الإنسان أكمل من عدم الزواج. فالزواج هو كمال لا لأصل الوجود، بل هو كمال لوجود الإنسان. وحينذاك لا يجوز أن يقال، إذا كان الزواج كمالا، فكل ما ليس بمتزوج أنقص من المتزوج! لأن هذا القول هو عبارة عن مغالطة، لأنك بهذا تكون قد استندت إلى الخاص لتحكم على العام. والمقصود بالخاص هنا ما يصدق على البعض، فما يصدق على البعض ولا يصدق على كثيرين، لا يجوز الحكم به على الكثيرين. فتأمل.

هذا كان مقدمة للدخول في الموضوع. وهو ما يطلق عليه في علم المنطق بالقضية الموجهة، أو المعنونة، أي القضية التي ارتبط الحكم فيها بعنوانها. وهي تقارب القضية المشروطة، فالقضية المشروطة لا يجوز تعميم حكمها إلا على ما تحقق فيه الشرط والعنوان، وأما ما لم يتحقق فيه ذلك، فلا يجوز الحكم عليه بذلك. وكثير من الناس يستعملون قضايا ويحكمون على المواضيع بدون الإشارة إلى كونها مشروطة، أي كون الموضوع مشروطا بشرط، وهذا، أي عدم ذكر الشرط يسمى في المنطق بعدم توجيه القضية، فالقضية غير الموجهة، قد يدخل فيها إشكالات عديدة، ولذلك فهي تستعمل كثيرا في المغالطات والمجادلات التي لا يكون الهدف فيها إلا إفحام الخصم لا الوصول إلى الحق.

ولاحظ أن ابن تيمية في القضية المذكورة أعلاه، تكلم على الموجود، فبدأ كلامه بقوله "الموجودات نوعان" فجعل عنوان كلامه هو أصل الموجود، ومعلوم أن هذا الاسم يدخل فيه كل موجود، ولا يخرج عنه واحد، سواء كان ذلك الموجود واجب الوجود أو ممكن الوجود. ولذلك فقد قال ابن تيمية بعد ذلك: "فالرب إن لم يقبل. الخ" فهو يفهم أن كلامه عام لاستعماله كلمة الموجود، التي يدخل في مفهومها اللهُ تعالى، وهو واجب الوجود، وغيره من الموجودات الممكنة.

ثم قال ابن تيمية: "الوجه الثالث: أن يقال: نفي سلب هذه الصفات نقص، وإن لم يقدر هناك ضد ثبوتي فنحن نعلم بالضرورة أن ما يكون حيا عليما قديرا متكلما سميعا بصيرا أكمل ممن لا يكون كذلك. وأن ذلك لا يقال سميع ولا أصم كالجماد، وإذا كان مجرد إثبات هذه الصفات من الكمال، ومجرد سلبها من النقص وجب ثبوتها لله تعالى لأنه كمال ممكن للوجود، ولا نقص فيه بحال، بل النقص في عدمه. "اهـ

هذا تطبيق من ابن تيمية للقاعدة السابقة على بعض الصفات التي يمكن أن نوافقه على مجمل ما قاله فيها، وإن كنا نخالفه في تفصيلات مراده بالسمع والبصر والعلم والكلام وغير ذلك من الصفات، فإنه يفسر هذه الأسماء بمعاني لا نوافقه على جواز نسبتها إلى الله تعالى. وليس هذا المحل ملائما للكلام على ذلك، فقد وضحناه في كتابنا "الكاشف الصغير"، والآن لنكمل كلام ابن تيمية، فقد قال: "وكذلك إذا قدرنا موصوفين بهذه الصفات أحدهما يقدر على التصرف بذاته فيأتي ويجيء وينـزل ويصعد ونحو ذلك من أنواع الأفعال القائمة به، والآخر يمتنع ذلك منه، فلا يمكن أن يصدر منه شيء من هذه الأفعال، كان هذا القادر على الأفعال التي تصدر عنه أكمل ممن يمتنع صدورها عنه. "اهـ

إذن فابن تيمية يُفَرِّعُ الآن وبعد تقرير القاعدة كما سبق أننا إذا قدرنا في أذهاننا موصوفين بهذه الصفات وهي العلم والقدرة…الخ، أحدهما يقدر على الصعود والنـزول وعلى التصرف بنفسه وغير ذلك من أنواع الأفعال القائمة به، والآخر لا يقدر على ذلك. فإننا نحكم بأن القادر على ذلك أكمل من غير القادر على ذلك. يريد من ذلك أن يقول النتيجة الحتمية وهي أن الله تعالى يتصف بهذه الصفات (وهي المجيء والإتيان والصعود والنـزول ونحو ذلك) كما صرح به في مواضع أخر، وذلك لأن كون الله تعالى كاملا ليس ناقصا أمرٌ واجب، وبما أن هذه الصفات والأفعال كمال، إذن فهي واجبة لله تعالى!

هذه هي طريقة ابن تيمية في الاستدلال على ما يريد. فالوصف العنواني عنده في هذه القضية هو "الموصوف" أي بما مضى من الصفات. ومعنى ذلك، أن الاتصاف بالمجيء والصعود والنـزول، لازم لكل من اتصف بالصفات المذكورة، وبما أنه كمال إذن هو واجب لله تعالى. ومعنى ذلك أن السبب في الاتصاف بالمجيء والنـزول والصعود والتصرف بالنفس وغير ذلك، على حد تعبير ابن تيمية هو كون الواحد موصوفا بالقدرة والعلم والسمع والبصر.. الخ.

هذا هو تحليل لعبارة ابن تيمية بناءا على القواعد المنطقية، وبعبارة غير فنية تماما ميلا إلى التسهيل.

ولكن هل ما قاله ابن تيمية هنا صحيح، أي هل ما ادعاه من تلازم بين الاتصاف بالمجيء والصعود والنـزول وغير ذلك، وبين كون الواحد موصوفا بالعلم والقدرة والسمع …الخ، صحيح؟!

لو دققنا في النظر لأدركنا أنه لا توجد علاقة مطلقا بين هذين الأمرين. فإن الصعود معناه الانتقال من محل ومكان سافل إلى محل ومكان عالٍ. والمجيء هو الانتقال من محل بعيد منك إلى محل قريب منك، والنـزول هو الانتقال من محل عالٍ إلى محل ومكان سافل، وهكذا التصرف بالنفس، فمعناه جواز حدوث أمر حادث وزائد على ما هو حاصل بالفعل في الذات. هذه هي معاني الصفات الثانية اللازمة عن الصفات الأولى.

فالسؤال هنا بعد هذا التوضيح، هو هل الصفات الثانية مترتبة فعلا على الصفات الأولى؟ أي هل يلزم كل كامل اتصف بالصفات الأولى أن يتصف بالصفات الثانية؟

ابن تيمية يقول: نعم. ونحن نقول: لا.

وإذا دقق القارئ معنا نظره، لعرف ما يلي: إن الحركة لازمة لا للمتصف بالصفات الأولى فقط. بل للمتصف بالمحدودية والمكان. أي إن الأصل أن يقال كما يلي:

إن كل من اتصف بالمحدودية، أي بكونه محدودا، أي له نهايات وأطراف وحدود من جميع جوانبه وجهاته، يلزم جواز اتصافه بالصفات الثانية وهي الانتقال والمجيء والصعود والنـزول. ولا يقال إن كل من كان سميعا قديرا عليما جاز اتصافه بالانتقال والمجيء والصعود والنـزول. فالفرق كبير وواضح بين العبارتين. والعاقل المنصف يعلم أن سبب جواز الاتصاف بالصفات الثانية ليس هو الاتصاف بالصفات الأولى، بل هو الاتصاف بصفات ليست هي الثانية ولا الأولى، بل هي أمور أخرى، وهي كون الذات محدودة، فكون الذات محدودة فعلا هو السبب الحقيقي في جواز اتصاف الذات بالنـزول والانتقال والمجيء والصعود. وهذه الصفات (ولنسمها بالصفات الثالثة، أو الصفات المتوسطة) هي علة الاتصاف بالصفات الثانية بالفعل.

هذا هو التحليل الصحيح لعبارة ابن تيمية، وهكذا يجب أن يكون الاستنتاج الطبيعي لا كما ذكره ابن تيمية.

فالواقع أن ابن تيمية قد أسقط السبب الحقيقي في الاتصاف بالصفات الثانية، وأوهم القارئ أن السبب الكافي للاتصاف بها إنما هو الاتصاف بالصفات الأولى، وليس الأمر كذلك. كما أوضحناه لك. فلا مدخلية لكون الذات موصوفة بالقدرة في كونها موصوفة بالانتقال والصعود والنـزول. ولكن السبب الحقيقي لاتصافها بالنـزول والصعود، هو اتصافها بالقدرة أولا، واتصافها بكونها محدودة ثانيا، أما مجرد الاتصاف بالقدرة والعلم والسمع والبصر، فلا مدخلية له في ذلك.

وهذه المقدمة المحذوفة من كلام ابن تيمية، هي في الحقيقة أصل النـزاع بينه وبين معارضيه، ولذلك فقد أخفاها هنا في كلامه، وأوهم القراء أن لزوم الاتصاف بالصفات الثانية يكفي فيه الاتصاف بالصفات الأولى، وذلك لأن الصفات الأولى قد يقول بها المعارض، بل إن كثيرا من معارضي ابن تيمية يقولون باتصاف الله تعالى بها، وأما الصفات الثانية، فلا يقول بها إلا المجسمة الذين يسميهم ابن تيمية بأهل الإثبات. وهذا هو السبب الحقيقي في إهمال ابن تيمية ذكر العلة الحقيقية في الاتصاف بالصفات الثانية. فتأمل، وهذا هو بعض ما يطلق عليه أهل المنطق اسم المغالطة، وكثيرا ما يستعملها ابن تيمية في مناقشاته للخصوم.

وهذا الذي يفعله ابن تيمية من إهمال قيد في القضية، يعبر عنه أهل المنطق بإهمال توجيه القضية. وهو لا يجوز في البراهين. بل يستعمله الناس في السفسطة والمغالطات والجدليات، مما لا ينفع في الوصول إلى الحقيقة، وهي المقصودة أصالة في مجال البحث في العقائد. فتأمل.

وأما اتصاف الذات بكونها متصرفة في نفسها، فهذا ينبني كما أشرنا لك على كون الذات ممكنة قابلة للانفعال والتأثر، ولا ينبني على مجرد كون الذات قادرة عالمة سميعة بصيرة الخ. وهذه مغالطة أخرى في كلام ابن تيمية السابق. وتتم محاكمتها بنفس الأسلوب السابق. فتنبه.

النص الثاني: ونورد هذا النص هنا أيضا لأن له مدخلية ببيان حقيقة كلام ابن تيمية السابق، كما وضحناه أعلاه، فقد قال في الرد على أساس التقديس، في معرض الرد على الإمام الرازي: "ويقول له الخصم: هب أنك تقول لا بد له إذا كان متحيزا من الحركة والسكون، فنحن نقول: إن كل قائم بنفسه لا يخلو عن الحركة والسكون، فإنه إما أن يكون منتقلا أو لا يكون منتقلا، فإن كان منتقلا فهو متحرك، وإلا فهو ساكن. والحركة الاختيارية للشيء كمال له كالحياة ونحوها، فإذا قدرنا ذاتين إحداهما تتحرك باختيارها والأخرى لا تتحرك أصلا، كانت الأولى أكمل."اهـ

لاحظ أن ابن تيمية هنا قد أوضح في كلامه، بأن السبب الحقيقي لكون الذات متصفة بالتحرك والانتقال إنما هو كونها متحيزة، لا كونها قادرة عالمة الخ، كما أوهم في النص السابق. فقد قال هنا:" هب أنك تقول لا بد له إذا كان متحيزا من الحركة والسكون"اهـ، فعلق الحركة على كونه متحيزا لا على كونه عالما..الخ.

ثم تأمل في قوله أيضا:"فنحن نقول: إن كل قائم بنفسه لا يخلو عن الحركة والسكون"اهـ، فهو علق هنا كون الشيء متحركا أو ساكنا، على كونه قائما بنفسه، ومعلوم أنه ليس كل قائم بنفسه فهو متحيز، بل هذا هو أصل النـزاع أصلا، وهو كل قائم بنفسه فهو متحيز؟ ابن تيمية يقول نعم، ونحن نقول لا. وبالتالي فابن تيمية يقول ما دام الله تعالى قائما بنفسه فهو متحيز، أي محدود، ونحن نقول الله تعالى قائم بنفسه وليس بمحدود.

وعلى قول ابن تيمية فإذا كان الله تعالى قائما بنفسه، فيلزم كونه محدودا، ويلزم على كونه محدودا أن يكون قابلا للاتصاف بالحركة والسكون، وحينذاك، فإما أن يتحرك بإرادته أو يتحرك لا بإرادته، أي يكون مضطرا في حركته، ومعلوم أن المتحرك بإرادته أكمل من المتحرك باضطرار. هذا هو الأسلوب الصحيح في التعبير عن مذهب وقول ابن تيمية، لا كما صوره هو!

ونحن نقول مع ابن تيمية: لو فرضنا أن الله تعالى محدود فعلا، لكان يلزم أن يكون قابلا للاتصاف بالحركة والسكون. ولكن لأن الله تعالى في الحقيقة ليس محدودا، فإنه يستحيل اتصافه لا بالحركة ولا بالسكون.

وتأمل قوله بعد ذلك:" والحركة الاختيارية للشيء كمال له كالحياة ونحوها"اهـ، فإنك تراه قد علق كون الحركة الاختيارية كمالا على مجرد كون الأمر شيئا، أي موجودا، وليس الأمر كذلك، بل الحركة الاختيارية تكون كمالا، لا لذلك فقط بل لكون الأمر موجودا، وكونه جسما، أي متحيزا، وفرق كبير بين كون الشيء جسما وبين كونه موجودا. فالصحيح أن تكون عبارة ابن تيمية السابقة كما يلي: "والحركة الاختيارية للجسم كمال له كالحياة"اهـ لا كما قال. وأنت صرتَ الآن تعرف الفرق الكبير بين العبارتين. فإنك لا يمكن أن تقول بعبارة ابن تيمية إلا إذا كنت مجسما، أي إلا إذا كنت تعتقد أن كل شيء موجود فهو جسم، أي لا يمكن أن يكون الأمر موجودا وشيئا إلا إذا كان جسما، وعلى ذلك فهو يقول بأن الله تعالى جسم بالمعنى المنفي عند المتكلمين وسائر أهل السنة. فالوجود عنده مقيد بالأجسام. وأما إذا كنت تعتقد أنه يمكن أن يوجد موجود ليس بجسم، فإنك تعرف أن عبارته تلك خاطئة، وأن التعبير الصحيح عند ذاك، إنما هو ما اقترحناه عليك.

ثم تأمل بهد ذلك في قوله في نهاية كلامه:" فإذا قدرنا ذاتين إحداهما تتحرك باختيارها والأخرى لا تتحرك أصلا، كانت الأولى أكمل"اهـ، فأنت تعرف الآن أن التعبير الذي كان يجب أن يقوله ابن تيمية هو كالتالي: "فإذا قدرنا جسمين أحدهما يتحرك باختياره، والثاني لا يتحرك أصلا، كان الأوَّلُ أكملَ."اهـ

هذه العبارة صحيحة، منطقيا، وصادقة واقعيا، وعقليا، وأما عبارة ابن تيمية فهي باطلة بالوجوه الثلاثة المذكورة. وذلك لإمكان وجود موجود ليس بجسم، ولذلك لا يقبل الحركة ولكنه في غاية الكمال وهو الله تعالى واجب الوجود.

مناقشة المخالفين لعلم المنطق

مما مضى نتبين مدى علاقة علم المنطق بغيره من العلوم خاصة علم الكلام وعلم الأصول، ومنه أيضا علم الفقه، وقد احتجنا إلى بيان تلك العلاقة، لأمرين:

الأول: إثبات ذلك المعنى في نفسه.

الثاني: بيان غلط من توهم عدم وجود علاقة بين المنطق والعلوم الشرعية المذكورة، وغيرها.

وكما تبنى بعض العلماء مهمة إثبات العلاقة المذكورة، فإن بعضا من العلماء كتبوا في سبيل بيان عدم الحاجة إلى علم المنطق في أي علم من العلوم الشرعية، وبرروا هدفهم ذلك، إما بالاستغناء عن المنطق بمجرد الفطرة، أو بغلط مباحث علم المنطق في نفس الأمر.

ولو استعرضنا أسماء المؤيدين لعلم المنطق من حيث العدد والكيف أي درجة العلم والتمكن في سائر العلوم والمعارف، بأسماء المعارضين له بغض النظر عن أسبابهم التي دفعتهم إلى اتخاذ ذلك الموقف، لرأينا رجحان كفة المؤيدين للمنطق والقول بالحاجة إليه، وفائدته على الفريق الآخر، ولرأينا الفرق المعارض تتأرجح به العلل التي دفعت به إلى المعارضة ما بين باحث منصف له نظرات تتأمل المسألة في نفس الأمر، فإما أن يكون ما قاله مصيبا أو غلطا، وهذا لا بأس به ولا يبعثنا إلى مخالفته إلا ما يقوله مما يظهر لنا بطلانه، ومن يمثل هذا القسم قليلون.

وطائفة دفعها عدم علمها بحقيقة المنطق إلى معارضته ككثير من العلماء الذين كانوا متخصصين أصلا إما في الحديث أو في اللغة، أو حتى في مجرد الفقه والإفتاء، ولا تحقيق لهم في العلوم العقلية ومنها علم المنطق، فبعض هؤلاء دفعهم عدم علمهم واختلاط عدة أمور عندهم ككون أصل المنطق مأخوذا من الفلاسفة، واختلاط كتب المنطق أو أكثرها بالأمثله المخالفة للشريعة، أو اعتمادهم على كلمات من السلف الصالح من العلماء حملها هؤلاء على مطلق علم المنطق ولم يفرقوا بين أمر وأمر، وغير ذلك من الأسباب.

وطائفة ثالثة ممن خالفوا أصلا أصول الحق في علم التوحيد، كالمجسمة والتجريبيين النافين لوجود الله تعالى، وكالماديين بمختلف أصنافهم ومنهم الماديون الجدليون، هؤلاء دفعهم إلى محاولة نقض المنطق كونه بما يحتوي عليه من قواعد كلية، تقوم عليه أصول التوحيد الصحيحة التي يخالفها جميع هؤلاء، أي إن هذه الطائفة لما رأت المنطق هو السلاح الذي يعتمد عليه أهل الحق القائلون بالعقائد الصحيحة، حاولوا نفي ونقض هذه الآلة الفكرية بمختلف الأساليب والطرق، لنـزع أهم سلاح من بين أيدي القائلين بالعقائد الصحيحة.

ولما كان ابن تيمية من بين أهم الأسماء اللامعة في هذا الزمان، وقد شاع فكره الخاص بين كثير من العامة والخاصة، حتى رأينا بعض العلمانيين يستندون إلى أفكاره، ورأينا كذلك بعض المخالفين لأصول الإسلام يستندون إلى ما قاله لتبرير كلامهم وتمريره بين الناس. فصار الاحتجاج بكلام ابن تيمية في هذا العصر يشابه –عندهم- الاحتجاج بالكتاب والسنة، وكلما زاد الكاتب من الاستشهاد بعبارات ابن تيمية ومقاطع من كلامه، ازداد حظه من هذه الحياة الدنيا المادية، وقرَّب بهذا الأسلوب ارتفاعَ اسمه بين أقرانه. فالعلاقة حالياً أوشكت أن تكون طردية كليا بين موافقة ابن تيمية والدعوة إلى آرائه وبين ازدياد الكسب المادي.

ولكننا لا نلتفت إلى مثل هذه العوارض الزائلة، التي لا تدل على حقائق الأمور، ولا تستهوي إلا نوعا معينا من الناس، فمهما كان الاسم كبيرا وصاحبا معظما فإننا لا نرى هذا مانعا من الإشارة بوضوح إلى مخالفته للحق في نفس الأمر، بمختلف الأدلة والإشارات. ولا يثنينا عن هذا الطريق ما قد نواجهه من عَنَتٍ.

ولذلك، ولكون ابن تيمية من أشهر من كتب في الرد على المنطق، فله في ذلك الكتابات المختصرة والمطولة، فإننا أحببنا أن نركز زيادة تركيز على نقض أهم الأدلة والاحتجاجات التي اعتمد عليها في الرد على المنطق. ولن نقتصر على ما قاله ابن تيمية، بل سنضيف إليه كلام بعض الآخرين الذين اشتركوا مع ابن تيمية في محاولته نقض المنطق، وإن اختلفوا معه في أهدافهم ودوافعهم إلى ذلك، بحسب ما أشرنا إليه سابقا.

وسوف نخصص الكلام هنا على ذكر الجهات التي ناقض فيها ابن تيمية وغيره علمَ المنطق، ونذكر الرد عليها بشكل مجمل وذلك لأن للتفصيل محلا آخر.

ونذكر أيضا الأسباب الحقيقية التي دفعت ابن تيمية إلى الرد على علم المنطق، مستأنسين في ذلك كله بأدلة كافيةٍ للمنصف.

ولهذا فسوف نخصص فصلا خاصا لمناقشة ابن تيمية، ونتبعه بفصول أخرى لمناقشة بعض من تكلم في هذا الأمر من العلماء المتقدمين.

وبعد أن ننتهي من معارضة ابن تيمية وبيان ضعف أدلته، وتقريراته، سوف نتوجه إلى مناقشة بعض العلماء الآخرين الذين اشتهر عنهم معارضة المنطق، ورفضه، لنتعرف إلى أدلتهم ونـزنَ أقوالهم بالموازين الصحيحة، ومنهم الإمام السيوطي، فسوف نناقشه في كتابه "صون المنطق"، ومن ثَمَّ فسوف نتناول بالنقد أهم الآراء التي نقلها عن المتقدمين من العلماء، ونبين ما فيها من وجهة نظرنا، وهذا الفصل يؤلف قسما مهما من كتابنا. وأخيرا نختم الكتاب بفصل خاص نورد فيه بعض أهم الفتاوى التي تكلم فيها العلماء المتقدمون عن علم المنطق، ونبين ما فيها من مقبول ومردود.


الفصل الأول

موقف ابن تيمية الإجمالي من علم المنطق

نستطيع أن نلخص موقف ابن تيمية من علم المنطق بإيراد النص التالي من كلامه، فقد قال: "أما كتب المنطق فتلك لا تشتمل على علم يؤمر به شرعا، وإن كان قد أدى اجتهاد بعض الناس إلى أنه فرض على الكفاية، وقال بعض الناس إن العلوم لا تقوم إلا به، كما ذكر ذلك أبو حامد، فهذا غلط عظيم عقلا وشرعا.

أما عقلا فإن جميع عقلاء بني آدم من جميع أصناف المتكلمين في العلم حرروا علومهم بدون المنطق اليوناني، وأما شرعا فإنه من المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن الله لم يوجب تعلم هذا المنطق اليوناني على أهل العلم والإيمان.

وأما هو في نفسه فبعضه حق وبعضه باطل، والحق الذي فيه كثير منه أو أكثره لا يحتاج إليه، والقدر الذي يحتاج إليه منه فأكثر الفطر السليمة تستقل به، والبليد لا ينتفع به والذكي لا يحتاج إليه، ومضرته على من لم يكن خبيرا بعلوم الأنبياء أكثر من نفعه، فإن فيه من القواعد السلبية الفاسدة ما راجت على كثير من الفضلاء وكانت سببا لنفاقهم وفساد علومهم. وقول من قال إنه كله حق كلام باطل، بل في كلامهم في الحد والصفات الذاتية والعرضية وأقسام القياس والبرهان ومواده من الفساد ما قد بينَّاه في غير هذا الموضع. وقد بين ذلك علماء المسلمين."اهـ.


تحليل عبارته

هذا هو موقف ابن تيمية من علم المنطق لخصه لنا بعبارته، وسوف نحلل عباراته تحليلا نقديا ليتميز مدى ما فيها من مطابقة للصواب.


أولا: لا تشتمل كتب المنطق على علم يؤمر به شرعا

يدعي ابن تيمية أن كتب علم المنطق لا تشتمل على علم يؤمر به شرعا، وسياق كلامه يدل على العموم، ونحن نعلم أن الشريعة تأمر بكل ما فيه فائدة ومصلحة للإنسان، إما في عقيدته أو في أعماله. وإذا فرضنا أن علم المنطق لا يشتمل على علم من شأنه أن يكون مأمورا به في الشريعة مطلقا، فمعنى ذلك أنه لا يوجد في علم المنطق أمر من الأمور التي يمكن أن تكون مفيدة للناس في دنياهم وآخرتهم. وهذه النتيجة هي المفهوم من عبارته، ولكنها باطلة للوجوه التالية.


وجوه بطلان قوله

  1. نصه على صورة القياس: أن ابن تيمية نفسه قال: "أما البرهان فصورته صورة صحيحة، وإذا كانت موادُّه صحيحة، فلا ريب أنه يفيد علما"اهـ، فهو هنا ينص بصراحة على أن صورة القياس المذكورة في علم المنطق صحيحة مطلقا، وأنها إن صحت موادها فلا ريب أن القياس يفيد علما صحيحا، ومعلوم في العقل والشريعة أن ما كان طريقا إلى العلم الصحيح فهو مأمور به شرعا، أو أنه مشروع، فلا يجوز أن يقال إن بعض الطرق الصحيحة المؤدية للعلم غير مأمور بها في الشريعة أو أنها غير مشروعة.

فالحاصل أن ابن تيمية تناقَضَ هنا. والحقيقة أن كون صورة القياس صحيحة مطلقا هو أمر اتفق عليه سائر العقلاء ولذلك فقد اتفقوا على القول بها والحض على تعليمها للاستفادة منها، وإنما جئنا بعبارة ابن تيمية هنا لأن غرضنا هو بيان فساد مقدماته التي جاء بها للاعتراض على علم المنطق من نفس كلامه.

يبقى هنا شيء، وهو أن ابن تيمية اعترض على حصر المناطقة لمواد البرهان بالمواد التي نصوا عليها، وهذا الأمر سوف نناقشه لاحقا، ولكن من المعلوم أنه إن اعترض على جهة من جهات المنطق وأقر بصحة جهة أخرى منه، فإنه لا يجوز له القول بأن علم المنطق لا يحتوي على علم يؤمر به في الشريعة.


  1. اعترافه بصحة أغلب ما أثبته المناطقة: إن ابن تيمية نفسه قد قال: أثناء بيانه لفساد علم المنطق وكتب المناطقة:" فهذا موضع ينبغي للمؤمن أن يتيقنه ويعلم أن هؤلاء القوم وغيرهم إنما ضلوا غالبا من جهة ما نفوه وكذبوا به، لا من جهة ما أثبتوه وعلموه."اهـ

إذن فإن ابن تيمية يقرُّ بأن المذكور في كتب علم المنطق أمرانِ، الأول ما أثبته المناطقة وقرروه، والثاني ما نفوه. وهو يعترف بصحة أغلب ما أثبتوه، ولكنه يخالفهم ويدعي غلطهم فيما نفوه، إذن بعض المذكور في كتب المنطق صحيح وبعضها غلط عنده، فإذا كان الأمر كذلك فكيف تأتَّى له أن يقول: إن كتب المنطق لا تشتمل على علم يؤمر به شرعا، ونحن نعلم أن طرق العلم الصحيحة قد أمرنا بها شرعا؟!


  1. اعترافه بأن بعضه حق: إن ابن تيمية قد عارض نفسه في نفس الفقرة المنقولة عند قوله: "وأما هو في نفسه فبعضه حق وبعضه باطل".

ثانيا: اعتراضه على الإمام الغزالي بأن المنطق أساس العلوم

اعترض ابن تيمية على الإمام الغزالي في قوله بأن علم المنطق هو أساس العلوم، وادعى بطلان ذلك بالعقل والشرع، ومع أننا قد تكلمنا على فائدة علم المنطق في القسم الأول من هذا الكتاب، إلا أننا سوف نبين فيما يلي كيفية استدلاله العقلي على ذلك، ونبطله، ثم نبين جهة استدلاله بالشريعة وننقض استدلاله أيضاً.


أ‌- استدلال ابن تيمية بالعقل على بطلان كلام الغزالي:

حاصل هذا الاستدلال: الادعاء بأن جميع العقلاء قد حرروا علومهم بدون المنطق اليوناني، ويترتب على ذلك –إن صحَّ- عدم الحاجة بالفعل إلى المنطق.


بيان بطلان ادعائه

هذا الادعاء غلط، وبيان ذلك من وجوه:

الوجه الأول: أن أرسطو من العقلاء، وهو قد حرر علومه بناءا على المنطق الذي أسَّسه.

الوجه الثاني: أن ابن تيمية قد اعترف في نفس كتبه بأن كثيرا من المتكلمين قد تأثروا بالمنطق اليوناني وحرروا كتبهم بناءا عليه، مثل الأبهري والرازي والكاتبي والآمدي وغيرهم، وإلا فلم اهتم ابن تيمية كثيرا بالرد على علم المنطق ولم اهتم أيضا ببيان الأغلاط التي قد يقع فيها من يعتمد عليه؟ فإن لم يكن ثَمَّة مَنْ حرر علومه بناءا على هذا المنطق، فما الداعي لهذا الردِّ؟!

الوجه الثالث: معلوم أن كثيرا من الفلاسفة كابن سينا والفارابي وابن مّلْكا قد حرروا علومهم وفلسفاتهم بناءا على المنطق.

الوجه الرابع: إن ابن تيمية قد ادعى أن بعض الناس قال: "إن كل المنطق حق"، فإذا صح نقله، فإنه يثبت أن هؤلاء قد اعتمدوا على المنطق في تحرير كتبهم لاستحالة العدول عن كل الحق في تأليف وتحرير العلوم عند من يعتقد بذلك عادة.

وإذا قصد ابن تيمية أن العقلاء لم يدرسوا نفس كتب المنطق التي كتبها اليونان ومع ذلك فإنهم قد حرروا علومهم، فليعلم أن كلامنا ليس على نفس الكتب كما سبق الإشارة إلى ذلك، بل كلامنا إنما هو منصبٌّ على القواعد المنطقية سواء ذكرت في الكتب أم لم تذكر فيها، ومعلوم أنَّ الإسلاميين قد أكثروا من كتابة الكتب المنطقية أيضا، ومعلوم بالضرورة اعتماد كبير من الناس على هذه الكتب في تحرير العلوم، وقد لا نحتاج نحن في هذا العصر بل حتى في زمان ابن تيمية نفسه إلى قراءة نفس كتب اليونان للاطلاع على قواعد المنطق اكتفاءا منا بقراءة الكتب التي حررها علماء المسلمين في ذلك. ولذلك فإننا يمكننا تحرير ومناقشة علوم غيرنا بناءا على نفس قواعد المنطق ومن دون الحاجة إلى قراءة نفس كتب اليونان.

وإذا قصد أن جميع العقلاء قد استغنوا عن جميع القواعد المنطقية التي يذكرها العلماء في كتبهم، ومع ذلك فقد حرروا علومهم، فإن كلامه باطل بالضرورة، وذلك بالالتفات إلى إقراره السابق بأن بعض المذكور في كتب المنطق هو الصحيح تماما، وللعلم بأن صورة القياس من الشكل الأول لا يستغني عنه واحد من الناس مطلقا، وكذلك مواد القضايا التي فيها الحواس والأخبار والتجربة وغير ذلك، فإن ذلك كله وسائل للعلم استخدمها العقلاء جميعا.

فالحاصل من ذلك كله أن ادعاء ابن تيمية بأن جميع عقلاء بني آدم قد حرروا علومهم بدون المنطق اليوناني باطل تماما.


ب‌- استدلال ابن تيمية الشرعي على موقفه من علم المنطق بأن الله تعالى لم يوجب تعلم هذا المنطق اليوناني على أهل العلم والإيمان.

فهو عبارة عن مغالطة لم يكن ابن تيمية ليستطيع كتابتها لولا اعتماده على القوانين المغالطية التي ذكرها المناطقة وحذروا منها. وبيان ذلك من وجوه

الوجه الأول: إذا قصد ابن تيمية أنَّ الله لما لم ينصَّ نصَّاً على وجوب تعلم المنطق اليوناني، فهو إذن حرام وتعلمه باطل لعدم وجود هذا النصِّ.

فكلام ابن تيمية على ذلك يكون باطلا تماما، لأنه من المعلوم كما سبق بيانه أن الخلاف ليس هو على قراءة نفس كتب اليونان أو كلامهم، بل هو في إفادة القواعد المذكورة في كتب علم المنطق سواءا وجدت هذه القواعد في كلام اليونان أو في كلام غيرهم. وذلك أنه لا يجوز القول بحرمة الشيء أو بعدم شرعيته لمجرد عدم وجود نص على وجوبه باسمه وشخصه وعينه، لأن كونه مشروعا يمكن أن يؤخذ من عموم الأدلة أو من مطلقها أو بالقياس إلى مثيلها، ولا يلزم وجود النص التفصيلي لذلك.


الوجه الثاني: إذا كان ابن تيمية لا يقول بوجوب أو شرعية تعلم أمر ما إلا إذا نصَّتِ الشريعة نصا على ذلك باسمه ورسمه فهو كلام باطل تماما، لأن ذلك يلزم منه تعطيل أوامر الشريعة وعموماتها وإبطال القياس. فحاصل استدلال ابن تيمية على هذا الوجه أنه يقول: لا أقول بشرعية تعلم المنطق اليوناني إلا إذا ورد نص في الشريعة الإسلامية يقول:"إن تعلم المنطق اليوناني مشروع"، ولكن ما دام لا يوجد نص كذلك في الشريعة، إذن فإن تعلم المنطق اليوناني هو أمر غير مشروع. وهذا الكلام باطل لما علم من أن الكلام دائر لا على اسم المنطق وكونه منسوبا إلى اليونان أو إلى غيرهم، بل يُنظَرُ في المسألة من حيث هل هذه القواعد المذكورة في كتب علم المنطق مفيدة أو لا؟ وسواء بعد ذلك أكان العلم مكتشفا كفنٍّ مرتب ومكتوب في الكتب المنسوبة إلى اليونان أو إلى غيرهم.


الوجه الثالث: كلام ابن تيمية مغالطة لقوله: "إن الله لم يوجب تعلم هذا المنطق اليوناني..الخ"، فعلق كلامه على أمر مُشَخَّصٍ بقوله "هذا المنطق اليوناني" أي إنه اعتبر أن الشريعة لما لم تأمر بتعلم هذا العلم من حيث كونه يونانيا، إذن فهي لم تأمر به مطلقا، وهذه مغالطة مكشوفة.

فإن أحدا من العلماء لم يدَّعِ أن المنطق قد أمرت الشريعة به لأنه منطق يوناني أي منسوب إلى اليونان، بل قائل هذا كاذب ومفترٍ على الشريعة، ولا أعلم أحدا من الناس قد ادعى ذلك. ولذلك فإن ادعاء ابن تيمية نفي ذلك يوهم بوجود من قال به، وهذا افتراء على الناس وغلط محض.

بل الخلاف كما سبق ذكره هو هل تعلم هذه القواعد المنطقية مشروعٌ أو غير مشروع. وحاصل الجواب إنما يتم بالقول: إذا كانت هذه القواعد صحيحة فتعلمها مشروع، وإلا فغير مشروع. هذا هو ملخص المسألة وكيف يجب أن تبحث، أما إدخال حيثيات وجهاتٍ فيها –ككونه يونانيا- وهي غير داخلة فيها أصلا فهو سفسطة محضة ومغالطة صريحة.


الوجه الرابع: إذا كان ابن تيمية يوافقنا –على الأقل- في أن بعض القواعد المذكورة في المنطق صحيحة وتؤدي إلى العلم الصحيح فلا يجوز له أن يخالفنا في أن تعلم هذه القواعد على الأقل أمر مشروع، لأن هذا يكون مخالفة لنفس الشريعة. وظاهر كلامه أنه لا يوجد شيء صحيح تأمر به الشريعة في علم المنطق.

فمن ذلك يتبين أن كلام ابن تيمية غير صحيح على إطلاقه.


ثالثا- المنطق بعضه صحيح وبعضه باطل

يقول ابن تيمية إن المنطق في نفسه بعضه صحيح وبعضه باطل. ومعنى الأمر في نفسه هو الماهية والحقيقة التي بها هو هو، وحقيقة المنطق هي مجموعة القواعد والقوانين التي إذا اتبعها الإنسان في تفكيره فإنه يجتنب الخطأ. هذا هو معنى المنطق في نفسه. وإذا كان هذا هو معناه في نفسه، فلا يجوز أن يقال مطلقا إن بعضه صحيح وبعضه باطل في نفسه، بل ما كان كذلك في نفسه فهو صحيح مطلقا، وهو مطابق للشريعة مطلقا، وهو مشروع مطلقا.

هذا عن المنطق في نفسه، أما المنطق باعتباره مجموعة قواعد مدونة في الكتب، أو إذا كان الكلام عن كتاب معين من كتب المنطق، فلا نستطيع القول مطلقا إن كل ما فيه صحيح، بل يمكن أن يوجد فيه بعض الأغلاط. ولكن هذا المستوى من المعنى -أي كتب المنطق- لا يقال عليه "المنطق في نفسه"، كما لو قلتَ الإسلام في نفسه فهو حقٌّ مطلقا، فكلامك صحيح مطلقا، أما إذا كتب العلماء عن الإسلام كتبا فلا نستطيع الجزم بأن جميع ما يكتبونه فهو صحيح لأنه ربما لا يعبر عن الإسلام كما هو في نفس الأمر.

إذن لا يجوز إطلاق القول بأن المنطق في نفسه بعضه باطل وبعضه حقٌّ.


رابعا- الباطل مما في كتب المنطق

لقد حدد ابن تيمية الباطل مما في كتب المنطق من قواعد بأنه يكاد ينحصر في النفي، فما أثبته المناطقة فأغلبه صحيح ثابت، ولكن بعض ما نفوه فهو باطل، هذا هو حقيقة ما يقول به ابن تيمية، كما سبق الإشارة إليه.

ولكنه هنا يقول إن "أكثر أو كثير من الحق الذي في المنطق لا يُحتاج إليه"، وهذا القول غير مسلَّمٍ على إطلاقه هكذا، فإذا قصد أن أكثر الناس ومنهم العوام في العلوم لا يحتاجون إلى أغلب تفصيلات المنطق، فربما يسلم له، ولكن إذا قصد أن أكثر الناس لا يحتاجون إلى أغلب كليات المنطق فهو باطل. وإذا قصد أن أكثر الناس لا يحتاجون المنطق في أكثر الأوقات، فهذا القول يحتاج إلى تفصيل كما سبق. فالمتخصصون في العلوم العقلية يحتاجونه دائما، ويحتاجون إلى تفاصيله، وأما غيرهم من العوام فربما لا يحتاجون إلا إلى بعض كلياته، بل ربما لو تفحصنا حقيقة الواقع، فربما ينتج عندنا إن العوام أيضا يستعملون القواعد المنطقية في أغلب الأوقات، ومن دون دراستهم لها في الكتب.


خامسا- البليد لا ينتفع به والذكي لا يحتاج إليه قوله "والقدر الذي يحتاج إليه منه فأكثر الفطر السليمة تستقل به، والبليد لا ينتفع به، والذكي لا يحتاج إليه" فهو كلام يحتوي على مغالطة، ثم بعد ذلك لا يسلَّمُ له.


أما المغالطة فبيانها كما يلي:

المقصود من المنطق في الحقيقة هو تلك القواعد التي يتبعها الإنسان العاقل السليم الخلقة والصائب في التفكير إذا فكر وأثناء تفكيره. فقد حاول العلماء أن يستقرئوا هذه القواعد ويحددوها، ويستنبطوا ما أمكن من الطرق ثم يدونوها في كتب لكي يسهل على الناس تعلمها والانتباه إليها، فإذا كان هذا هو ما يقصده ابن تيمية بقوله "فأكثر الفطر السليمة تستقل به"، فإن كان يقصد بهذه العبارة: إن هذه القواعد موجودة في الفطرة السليمة، فإن قوله مغالطة، لأن ما تستقل به هذه الفطر السليمة هو حقيقة المنطق محل الكلام، وليس أمرا آخر غير المنطق، فكيف يقول ابن تيمية بعد ذلك إن الفِطَرَ تستقل به، فهل يستقل بالشيء عن عين الشيء؟!

فإذا قيل إنه يقصد إن الفطر السليمة تستقل عن تعلم المنطق من الكتب، يقال: إن القواعد المكتوبة في الكتب لا يقال إنها المنطق في نفسه كما سبق ذكره، ولكنها كتابة للمنطق وتعبير عن المنطق، بل المنطق في نفسه هو عين تلك القواعد التي يستخدمها الإنسان أثناء تفكيره لا بقيد وجودها في كتب أو في حافظة الإنسان، فكيف يجوز له أن يقول إن الفطر السليمة تستقل به؟! فهذا هو بيان المغالطة.

وأما إن قصد إن الفطرة لا تعتمد في تفكيرها على أي من هذه القواعد المذكورة في كتب علم المنطق، فإن جماهير العقلاء يناقضونه في هذا القول.

وأما قوله:"إن البليد لا ينتفع به، والذكي لا يحتاج إليه" فهو غير مسلم، فإن البليد إذا زاول الأمر وكرره على نفسه فإنه يترسخ فيه ويستحضره وينتفع به، وهذا هو المسمى بالعقل المكتسب عند العلماء أو الذكاء المكتسب، فإذا كنا نقول بحقية تلك القواعد في نفس الأمر، فلا يجوز أن يقال إن البليد لا ينتفع بها إذا تعلمها.

وكذلك لا يجوز أن يقال إن الذكي يستغني عنها، فإن هذا القول يستلزم أن الذكي لا يخطئ أبداً، ولكن لا يوجد ذكي واحد لم يقع في خطأ فضلا عن أخطاء عديدة، بل لا يوجد إنسان معصوم عن الخطأ غير الأنبياء وهؤلاء إنما عصموا بعصمة الله تعالى لهم، فإذا سلمنا أنه لا ذكي إلا ويخطئ، فكيف يمكن دلالة هذا الذكيِّ على خطئه أو تعرفه إليه إلا من خلال اتباع قواعد عامة يفحص بها الذكي معاني ما يقوله ويفكر فيه ويحاكم بها تفكيره بعين القواعد المأخوذة من عقله السليم. وهذه القواعد هي بعينها المنطق.

فيلزم إذن احتياج الذكي والبليد إلى علم المنطق، وبالأولى ما بينهما من طبقات من الناس. ويبطل كلام ابن تيمية.

بل عدم احتياج الذكي إلى تلك القواعد يستلزم عدم احتياجه إلى لوازم فطرته على حدِّ قول ابن تيمية أو إلى ما هو جزء منها، بل القول بذلك يستلزم القول بعدم احتياج الذكي إلى قواعد مطلقا وهو غير صحيح.


سادسا– المفاسد ناتجة عن المنطق

أما ادعاء ابن تيمية بأن المفاسد ناتجة عن المنطق فهو غير صحيح، بل المفاسد يمكن أن يقع فيها الواحد لا لمجرد التزامه بدراسة علم المنطق بل إن كثيرا من المفاسد وقعت ممن هم أكثر الناس قربا إلى علم الحديث، فقد كثر فيهم التجسيم والعقائد الفاسدة، ولا يقال إن سبب وقوعهم في هذه المفاسد إنما هو التزامهم بالحديث، بل هو سوء تفكيرهم وسذاجة تدبرهم لمعانيه. وكذلك إذا وقعت مفسدة ممن هم متخصصون بعلم المنطق فلا يقال إن علمهم بالمنطق هو سبب هذه المفسدة، بل سببها هو سوء تدبرهم وتعقلهم أي ممارستهم لنفس هذه القواعد.


سابعا– ادعى البعض أنه كله كلام حق

وأما قوله إن البعض ادعى أنه كله كلام حقٌّ، فإذا قصد هذا القائل ما قلناه عن المنطق في نفسه فهو صحيح، وحاصل قوله عندئذ: إن كل ما هو قاعدة صحيحة للتفكير فهو حق، أي إن كل ما هو قاعدة إذا التزم بها الإنسان في تفكيره تعصمه عن الخطأ فهذه القاعدة صحيحة وحقٌّ، فيكون كلامه صحيحا.

أما لو قصد أن كل ما كتبه المناطقة في كتب المنطق صحيحٌ، فهذا الكلام باطل، وأنا لم أعرف حتى الآن واحدا قال بهذا المعنى. وابن تيمية في رده على من يقول بذلك يفهم من كلامه أنه يوجد من قال بذلك، وعليه أن يبين لنا هو أو أحد أتباعه من هو القائل، أو يصبح كلامه مجرد ادعاء لا دليل عليه.

هذا كان تحليلا سريعا ومختصرا لكلام ابن تيمية الذي يُجْمِلُ فيه رأيَه في علم المنطق، بَـيَّـنَّـا نحن أن كلامه غير منطقي مطلقا وغير صحيح.