• عدد الزيارات:

دور الوحي في بناء الحضارة الإسلامية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الكريم الأكرم، الذي علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم.

والصلاة والسلام على النبي الأعظم، الذي ما كان ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.

وبعد:

فإنها حضارة الإنسان لا حضارة البنيان.


  • قبل نزول الوحي كان في مهبط الوحي (مكة) حضارة تناهز الحضارات العالمية، فكانت أكبر مركز تجاري في العالم يربط الشمال بالجنوب، والشرق بالغرب، وآسيا بأفريقيا والعالم القديم.

ولكنها كانت حضارة مادية صرفه، وبأخلاق مادية ظالمة، ليس ظلم البشر للبشر فقط، ولكن ظلم الإنسان لربه إذ يخلق ويعبد غيره.

لقد كان الشرك متفشياً، والقيم غاب جزء كبير منها إلا ما كان متجذراً في طينة العرب كالكرم والشرف، أما العدل والإنصاف فكانت بيد القوي، ولم يكن للضعيف مكان يذكر.

وكان الإنسان يسترق الإنسان، ويصادر حريته الفكرية والدينية.

وسنعود لاحقا لهذه الفترة وخصوصا الإيلاف.


  • لقد كان هناك رمز لهذه الحضارة التي ستبنى على الوحي، فهي لم تنزل على ملك، ولم تنزل على غني، أو على أحد أرباب الدنيا، أو رجل من القريتين عظيم، لكنها نزلت على الصادق الأمين الذي كان دليل صدق الرسالة، فلم يعرف عنه الكذب والخيانة لذلك صُدّق فيما أبلغهم بالرسالة حتى من لم يؤمن لم يستطع أن يصف محمدا بالكذب مصداقا لقوله تعالى: {فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ}، فالتمهيد لهذا الوحي هو الأخلاق، وكأن عنوان الرسالة هو الأخلاق (أخلاق الإنسان). فالصدق والأمانة هما عنوان هذه الحضارة.

  • إن الشروط الأساسية لبناء أية حضارة هي الأخلاق بكل معانيها، والعلم بكل معانيه الديني والدنيوي، والحرية باتساعها المنضبط وفي مقدمتها حرية الدين والمذهب والفكر، فالعقل المقهور لا يمكن أن يكون مبدعا، والعقل الذي تحده الخطوط الحمراء والصفراء والخضراء بأطيافها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية والعصبية المذهبية كلها قيود تحد من إبداعه، ولا حضارة ولا تقدم بلا حرية، وقد قال المولى سبحانه: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}، وقال: {فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ} فبعد أن وضح لهم الوحي الغي من الرشاد ترك الحرية للعقل البشري الذي احترمه الوحي، فلم يوجد دين في الأرض متسامح تسامح الإسلام.

أما الأخلاق فقد قال فيها المولى عز وجل مادحا الرسول المبلغ: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}.

وقال عنه: {وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ}

وقال تعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}

إن هذه الأخلاق التي تمثلت في المصطفى كانت مفتاح إقبال الناس على هذا الدين الذي جاء يوازن بين الدنيا والآخرة.

وأما العلم فقد نزل القرآن الكريم في أول آياته:

{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}

فإذاً أعلى مقاصد الرسالة هو العلم والقلم الذي به يتعلم الإنسان.


وقال تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ}

وقال تعالى: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}

وهو تعليم إلهي على أن نسأل من هم أعلم منا بلا عيب ولا تردد ولا خجل، فإن ذلك خير من الوقوع في الخطأ.


  • لقد نزل الوحي بآية قيل عنها أجمع آية في القرآن وهي قوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}، يا له من ميزان عظيم يشمل الخلق أجمعين!!! وهل غاب عن الأرض إلا العدل والإحسان؟ وهل غاب عنها إلا أن يردع الباغي والفاحش والمتفحش ونهي صاحب المنكر؟! لو استقامت البشرية على هذه الآية لصلح حالها.

اسمعوا إلى قول الخليفة الراشد عمر بن الخطاب حين ضرب شريف من أشراف قريش (ابن عمرو بن العاص) رجلا قبطيا قال الخليفة الراشد بعد أن علاه وعلا أباه بالدرة: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا يا له من عبقري قوي! و يا لحاجتنا اليوم لمثل هذا القوي!


  • لقد أعطت الشريعة الإسلامية لكل ذي حق حقه، وعلى رأسها جعلت العفو والإحسان، قال الله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ}.

  • ولقد دعانا إلى التفكر والتدبر، وأثنى على المتفكرين فقال تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} بل جعل التدبر من مقاصد الوحي وغاياته فقال: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا}

  • لقد دمر الإسلام الشرك ابتداء من الأصنام والطواطم والكواكب وكافة الطواغيت، حتى أعلى هذه المعبودات من دون الله ألا وهو (الهوى).

ولذلك نهانا عن اتباع الهوى فقال تعالى: {وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ}

لأن الهوى أخطر من وسوسة الشيطان لأنه نابع من النفس الأمارة بالسوء الساكنة في أجسادنا، فأين المفر منها إلا بقمعها؟

ألم يقل الله عز وجل: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ}

فالهوى إله يعبد من دون الله، ولكنه خفي كخفاء النملة على الصخرة السوداء في الليلة الظلماء، وذلك لشدة الخفاء.

هؤلاء الذين قال عنهم المولى سبحانه: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً. الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً}

ويجب ألا ننسى أن عمود الدين هو التوحيد (لا إله إلا الله) وهي علم إذ قال تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ}

إن هذا العلم عميق ومهم وهو ما تدور عليه دراسات العقيدة بمجملها، وهو الذي افترقت فيه الأديان والمفاهيم، فمن لا يعلم بأمور العقيدة ولا يدرسها ناقص العلم لأنها أصل الدين، وما بعث الأنبياء أجمعون إلا بها.


  • إن الحضارة التي بناها الإسلام هي حضارة تزكية النفس، قال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا}، وهي دعوة صريحة إلى التحلي بالأخلاق الحميدة وترك الأخلاق الرذيلة.

  • وقد امتدح الوحي المؤمنين الذين اتصفوا ببعض الصفات ومنها: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ}، فما أعظم هاتين الآيتين، فحياتنا اليوم انقلبت إلى اللغو، فمن لا يفهم بعلم من العلوم يتكلم فيه، ومن لا يفهم بالسياسة يتحدث بالسياسة، وارتفعت أصوات اللاغين، وخبت أصوات المتخصصين.

انظر إلى قوله (وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ) فقال فاعلون لأنهم الذين ينتجون ويعملون حتى يكون لديهم المال الذي يزكون منه. أما الكسالى والنائمون فكيف يؤدون الزكاة إذا كانوا لا يملكون نصابها أصلا؟.


  • ونهانا عن الغضب والغيظ فقال: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}. فالنهي ليس فقط عن الغيظ، بل الأمر بالعفو عن الناس، وزاد: (وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ).

  • وجعل الكذب نقيضا للتقوى فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ}، فالتقوى والصدق متلازمان، ولا يتصور أن يكون الرجل تقيا وهو ليس صادقا.

  • لقد سار زمن الرسالة ثلاثة وعشرين عاما ورسول الله يعلم الناس حسن الخلق حتى قال: "الدين المعاملة" وقال: "لا إيمان لمن لا أمانة له.

ولو حسبنا المدة التي استغرقتها الغزوات النبوية (التي كان معظمها دفاعيا) نجدها لا تساوي 4% من زمن الدعوة النبوية التي امتدت ثلاثة وعشرين عاما. أما الباقي فكان في الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، قال تعالى: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}

وحينما تخلق المسلمون بهذه الأخلاق العظيمة دانت لهم الأرض والأمم، ودخلوا في دين الله أفواجا، وكانت لهم حضاراتهم في كل موطن يطؤونه، فقامت حضارات سامقة في مصر وبغداد والشام والأندلس والمغرب والشرق وفي كل مكان في المعمورة في زمن كان العالم يغط فيه بظلام دامس، وجهل متفشي.

لقد كان المسلمون يأخذون من الحضارات السابقة ويبنون عليها ويزينونها، ويشيدونها على أسس من أخلاقهم التي علمها لهم الصادق الأمين.


  • وأنبأنا الوحي أن الحياة كد وجهد وتعب، فهي تحتاج إلى الصبر، فقال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}.

فيالها من بشارة إذا أدركنا أن هذا كلام المولى سبحانه وتعالى، فطوبى لمن قبل بشارة مولاه.

فلا يضجرن شعب من شعوب المسلمين بضيق العيش لأن العاقبة هي الفرج لقوله تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً} ولن يغلب عسر يسرين كما قال المصطفى


  • ولم يكتف الوحي بأن يكون كلاما بل جعل لنا مثالا وأسوة وقدوة حية لنا ألا وهو رسول الله فقال: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً}.

فمن أتى رسول الله بعقله وروحه وفؤاده فلا بد أن يتخلق بأخلاقه وشمائله وفضائله بداعي الحب. وكم هذب حب رسول الله من نفوس.

ولقد أعطانا المصطفى في الحديث ميزانا نزن به أعمال الدنيا والآخرة فقال: "إن لكل دين خلقا وخلق الإسلام الحياء".

فلو استحيينا من ربنا لما فعلنا ما فعلنا، ولو استحيينا من نبينا لما فعلنا ما فعلنا، ولو استحيينا من علمائنا لما فعلنا ما فعلنا، ولو استحيينا من والدينا لما فعلنا ما فعلنا، ولو استحيينا من مجتمعنا لما فعلنا ما فعلنا... تالله إنه لميزان عظيم!!!


  • وأمرنا الوحي بالوسطية في الحياة فقال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً}، إنها الوسطية التي غابت عن كثير من المسلمين بين مفرط ومفرّط.

وليست الوسطية في الدين فحسب بل حتى في معايش الدنيا فلا بخل ولا تبذير قال تعالى: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ}، وقال: {وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً. إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ}، لأن من بذر يقع في الحسرة، ومن بخل فاتته فضائل كثيرة واقترب من عبادة الدرهم والدينار.

ولأن المسرف لا بد وأن تضيق حاله فينكر نعمة ربه، ويكفر بما أنعم الله عليه.

وشبيه بالمبذر الذي يرائي بإنفاق الأموال، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ}.


  • وفي هذا العصر الذي يسارع الناس فيه إلى الكلام بلا روية، وإلى رفع الأصوات، وغفلوا عن أمر مهم هو تعلم الإنصات والاستماع فهو علم أهم من الخطاب، وبشرنا عن ذلك فقال: {فَبَشِّرْ عِبَادِ. الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ}.

فإذا لم تفهم فكيف تفكر؟ واللب فوق العقل، وفوق القلب، ونادرا ما يوصف به أحد، ولذلك فقد ورد في مواضع قليلة في القرآن الكريم.


  • ونهانا عن قول الزور الذي انتشر في هذا الزمان سواء كان بتزيين البضائع بما ليس فيها، أو بتزوير الحقائق عما هي عليه. فقال: {وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ}.

  • ومقت الذين يأمرون الناس بالبر ولا يأمرون أنفسهم، فالبداية يجب أن تكون من نفس الإنسان، فيبدأ بذاته، ثم ينتقل إلى غيره، فقال: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ}، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ}.

  • ونهانا عن تعاطي الكسب الخبيث، فقال: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ}، فسدّ طرق أكل الأموال بالباطل جميعا سواء كان بطريق الربا أو الاحتيال أو النصب، أو الغش أو الرشوة، وكل ما يؤدي إلى ذلك.

  • وبالمقابل دلنا على البديل الأصلح من أكل أموال الناس بالباطل سواء بالربا أو غيره فقال: {وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}، لكنه لم يحرم علينا كل شيء، فأباح لنا أكل الطيبات، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ}.

وإن سبيل هذا الكسب الطيب هو الإتقان، قال المصطفى: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه". أين نحن اليوم من هذا الإتقان؟! فقد سبقتنا الأمم لأننا أهملنا هذا الحديث.

وحثنا على العمل فقال: "من أمسى كالّا من عمل يديه أمسى مغفورا له"، فلا عطالة ولا تبطل في الإسلام، وعلى كل مسلم أن يعمل ليكفي أهله ومن يعول.


  • ولم يكتف النبي بالعناية بشؤون المسلمين فيما بينهم، بل تعداه إلى غير المسلمين أيضا فقرر حقوق غير المسلمين من أهل الذمة والمعاهدين، وحذر من إيذائهم والاعتداء عليهم فقال: "من آذى ذميا فأنا خصمه".

  • لقد رفع الإسلام مبدأ المساواة بين الناس، فالناس سواسية كما يقول المصطفى: "الناس مستوون كأسنان المشط" ويقول: "لا فرق بين عربي ولا عجمي، ولا أسود ولا أبيض إلا بالتقوى".

  • إن هذا الوحي الذي يقول للناس: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا}، فأرادنا الله عز وجل أن نتعارف بشتى أنواع المعرفة، ولم يقل لتتقاتلوا، أو لتتظالموا.

يا له من رب كريم حيث يقول في الحديث القدسي: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا"، يا له من رب رحيم حيث يقول في الحديث القدسي: "سبقت رحمتي غضبي"، له الحمد والشكر والثناء الحسن الجميل أن أرسل إلينا الرحمة المهداة محمد بن عبد الله فعلّم الدنيا في ثلاثة وعشرين عاما القيم التي درست، والأخلاق التي اندرست حتى قال: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ". و (إنما) أداة حصر، ولذا كانت الأخلاق هي محور الرسالة: الأخلاق في التعامل مع الجميع ابتداء من المولى سبحانه وتعالى، ثم مع الكبير والصغير، مع الغني والفقير، مع الرئيس والمرؤوس، مع الطفل والزوجة والأرحام والجار...

علّمنا الرأفة والرحمة التي وصفه بها المولى سبحانه حين قال: {بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}، وجعل أقرب الناس منه مجالس يوم القيامة أحاسنهم أخلاقاً حيث قال: "إن أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا الموطؤون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون"، يا له من وصف عظيم لا يتحلى به إلا مؤمن كامل الإيمان حتى يستحق هذا القرب من الرحمة المهداة.

إن الله عز وجل يريدنا أن نكون رحماء بأنفسنا وأهلنا، رحماء بالخلق أجمعين، بالحيوان وبالشجر وبالحجر. هكذا علمنا المصطفى حين قال: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر "


وأرادنا أن نكون متماسكين متعاونين متضامنين فقال: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا "


  • ومما ينبغي الالتفات إليه أن الدولة الإسلامية انتشرت بالقوة العسكرية لتهيئ المناخ الصالح لحرية التدين، لكنها لم تجبر الناس على الدخول في الدين.

ولكن القلوب انفتحت للدعاة إلى الدين من أولياء آل البيت والصحابة والصالحين فدخل الإسلام إلى مناطق عديدة بلا حرب، وإنما بالدعوة السلمية والأخلاقية، فكان كل منهم نموذجا مصغرا للإسلام، وكأنه قرآن يمشي على الأرض اقتداء بإمامهم المصطفى الذي قالت عنه السيدة عائشة t: "كان خلقه القرآن "


  • وهنا تظهر خصوصية الحضارة الإسلامية حيث اهتم الإسلام بالعقل والحرية والإرادة حتى في الدين إذ قال الله تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}، فقد أبان المصطفى الرشد من الغي وترك للناس حرية الاختيار.

وفي زمن العسرة بمكة عند بدء الوحي لم يكن المصطفى يطلب من قريش بعد أن عذبوه وضيقوا عليه إلا أن قال: "ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين العرب" أي لم يقفوا حاجزا يسيطر على عقول الناس، ويدعوهم يختارون ما يشاؤون.


  • نعود إلى مسألة الإيلاف:

لقد بنى هاشم جد المصطفى لقريش مجدا خلده القرآن في سورة قريش بقوله تعالى: {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ. إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ}.

وما أدراك ما هذا الإيلاف؟ إنه أول تجارة ترانزيت مأمونة في عالم الغاب أقامها جد المصطفى (هاشم) إذ عقد اتفاقيات التجارة مع الشمال والجنوب (الروم واليمن)، والشرق مع الغرب (مصر والعراق وفارس).

فأكثر الناس يتذكرون رحلة الشتاء والصيف، وينسون الرحلات الساحلية التي اختار فيه جد النبي (هاشم) ميناء جدة للتجارة الساحلية.

وفي بعض الآثار: امتن الله على قريش إذ يسر لها ميناء جدة تصب فيه قوافلهم.

ولذلك نجد أن مدينة جدة قد بنيت على ثلاث حارات رئيسية هي:

1- حارة الشام: وتحط فيها قوافل الشام.

2- حارة اليمن: وتحط فيها قوافل اليمن.

3- حارة البحر: وتحط فيها واردات البحر وصادراتها.


كما جاء في الآثار أن سيدنا عثمان بن عفان وقف على منطقة تسمى الآن (بحيرة الأربعين) واختارها ميناء وقال: إنه ماء مبارك.

وبرغم هذه الحضارات التي بناها أجداد المصطفى الذين قال عنهم رسول الله "أنا خيار من خيار من خيار "، وقال: "ما افترق الناس فرقتين إلا جعلني الله في خيرهما "فقد كانوا مثالاً للأخلاق والكرم والجود، فيا لطيب العنصر: أبوهم إبراهيم عليه السلام، وواسطة عقدهم محمد، وفرعها آل البيت الذين نشروا العلم في أصقاع الكرة الأرضية.

إن هذا الإيلاف جعل قريشا أكثر حضارة من بقية العرب، فكان لهم الإمارة والخفارة لقوافل التجارة، فكان إذا تعرض متعرض للقافلة برز له القرشي وقال: إننا من أهل الحرم، فلا يتم التعرض للقافلة لأن الله سبحانه وتعالى منح أهل الحرم مكانة رفيعة وردت في السورة التي سبقت سورة الإيلاف ألا وهي سورة الفيل بأن الله حمى بيته وحمى بلدهم وحماهم.

فكان لهم جانب مهاب بين القبائل على الرغم من صغر قبيلة قريش.

لقد تمكنوا من الاحتكاك بالحضارات المجاورة، بل تعلموا لغاتها وذلك بسببين: رحلة الشتاء والصيف، والحج. لذا نجد أن القرشيين تبوؤوا مناصب الإمارة والولاية في الدولة الراشدة وما بعدها لأنه من غير المعقول أن يولى على الأمصار التي دخلت تحت الدولة الإسلامية من لا يعرف حضارات هؤلاء الناس وطبائعهم ولغاتهم!

وكأن حديث رسول الله "الأمراء من قريش" يشير إلى هذه الخصيصة في قريش، بل هي من التمهيدات الإلهية لتمكين هذا الدين في الأرض.

فإذاً: حضارة الإسلام هي حضارة الإنسان التي تمهد لبناء جميع الحضارات.

أسأل الله أن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.